أحمد فارس الشدياق

43

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

الإفرنج ، فإن العنب والتفاح في فرنسا وإنكلترة لا ينقطعان أصلا . أما بقولهم فغير طيبة ، وذلك لكثرة مائيتها فإذا رأيتها في السوق سرّك نضارتها ولكن متى طبخت جاءت مسيخة « 27 » ، حتى إن البصل والفجل وما أشبههما ممّا طبعه الحرافة لا طعم له عندهم ، لا بل إذا جلبت من بلاد أخرى يتغيّر طعمها ، وكذا الكرنب ، والباذنجان ونحوه . ولا يكاد يبدو نوع منها إلا ويغلط ويجسو . ومن الغريب أن نباتها مع كونه بهذه الصفة فعسلها في غاية الجودة ، ومما لا يوجد عندهم من الخضرة الكوسى والقتّاء ، والملوخية ومن غيرها اللبن والقشطة والسمن ، وإنّما يجلبون نفاية هذا أحيانا من طرابلس الغرب . وأهل مالطة جميعا يتقزّزون منه ، ويطبخون إدامهم بشحم الخنزير . أما ماؤها فإنه ماء المطر مخزونا في الآبار غير سائغ فما شربه ذو تعب أو ظمأ إلا وأصابه سعال ، وكثيرا ما يحدث عن شربة واحدة نفث الدم ، فشتّان بينه وبين ماء النيل الذي يطيب شربه على التعب والظمأ ولا يزيد الشارب إلا صحة ونماء جسم ، فلا ينبغي لأحد أن يشرب من ماء مالطة إلا ترشّفا . ونقل عن أرسطو أن الماء الراكد الذي لا تقع عليه الشمس لا يكون إلا ثقيلا وتتولد في مادة طينيّة . أمّا حدائقها فأشهرها حديقة صانت أنطونيو مقر الحاكم في الصيف ، وهي التي نزل بها الأمير بشير شهاب بأهله ، أخلاها له الحاكم إجلالا لشأنه وهي نضيرة حسنة الوضع إلا أنها في منخفض من الأرض ، وليس فيها مقاعد أو مواضع ليأكل فيها المتفرّج أو يشرب ، وليس للمالطيين عادة أن يأخذوا إلى مثل هذه المنتزّهات طعاما لا في الأعياد ولا في غيرها اتباعا لعادة الإنكليز إذ لا يمكن لهم الجلوس إلا على كرسي ، فغاية حظّهم من ذلك إنّما هو المشي أو أن يضع أحدهم ذراعه بذراع صاحبه ويمشيان الخيلاء أو أن يمشي وحده وهو يصفر ويمكو . وعلى تقدير وجود رصف « 28 » عندهم أو روضة فلا يعرفون كيف ينبسطون عندهما سوى بالمشي ، وأعرف رصفا يسمّى البياتا أنيقا جدا ، ولكن ليس فيه محل للقهوة ، ولا مثلوج ولا مطعم ، ولا آلة

--> ( 27 ) مسيخة : لا طعم لها . ( م ) . ( 28 ) الرصف : المكان المعشوشب في ضواحي البلدة . ( م ) .