أحمد فارس الشدياق

44

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

طرب ولا كرسي يجلس عليه . ولو كان مثله في باريس أو في مصر أو الشام لرأيته من أوله إلى أخره مرصوفا بالكراسي والمتّكآت ومشتملا على كل ما تطيب به النفس . وفي الجملة فإن الإنكليز والمالطيّة جميعا لا ذوق لهم في مثل هذه الأمور . ثم البوسكيت ومعناه الغيضة « 29 » وهو على بعد ثلاث ساعات من فالتية وهو سئ المنحدر قليل الجدوى ، فإنه عبارة عن شجرات معدودات وزهرات شعث لا صنعة في تنبيتها إلا أن فيه قبوة « 30 » فيها عين نضّاحة ، وحولها مائدة ومقاعد من حجر يقعد عليها الآكلون ، فهذا الموضع أنزه موضع في الجزيرة ، وذاك الماء أعذب ماء بها ، وبقربه برج كان في القديم سجن « 31 » يعذّب فيه من يخالف الكنيسة كما كانت العادة أيضا في إسبانيا وغيرها . ثم المطحلب وهو أنظر من البوسكيت وأبعد لكونه عند أقصى مالطة طولا ، وفيه بركة يعلو ماءها طحلب وكان الموضع سمّي به . ونواعيرهم نحو نواعير الشام ومصر . وأهل تونس وطرابلس يستعملون السانية وهي في اللغة الناقة يسقى عليها ويطلقونها على البستان . والحاصل أنّ جزيرة مالطة لا تعجب من الإفرنج إلا القليل ، وذلك لأنّهم إذا جاؤوها لم يجدوا فيها شيئا غريبا لا يوجد في بلادهم ، فإن كل ما فيها إن هو إلا نفاية ما عندهم . هذا وليس منهم من يرغب في علم اللغة المالطية إذ كانوا يعلمون أنها عربية فاسدة ، وليس فيها من الصنائع والفنون ما يجهله أهل الرستاق منهم فضلا عن المتمدنين ، وانما هي مجاز يجوزون منها إلى الشرق . نعم إنّ بعضا من المظلومين في إيطاليا وخصوصا صقلية يأتون إليها للاستئمان ، وإنها لما كان موقعها بين عدّة برور شرقية وغربية حصلت على هذه الشهرة ولا سيّما الآن فإنه قد يتعذر السفر إلى بعض جهات الشرق من دون المرور بها . فأمّا العرب فربّما لا تعجب منهم أحدا وذلك لأن أهل مالطة جميعا يكرهون

--> ( 29 ) الغيضة : مجتمع الشجر . ( م ) . ( 30 ) القبوة : بناء مقوّس يعقد بعضه إلى بعض . ( م ) . ( 31 ) كذا وردت في الطبعتين ، وصوابها : سجنا . ( م ) .