أحمد فارس الشدياق
312
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
أمامها الأمراء وخادمها ملفن رافع لطرف ردائها ، حتى انتهوا إلى الموضع وكان عليه كرسي أسود عليه مخدّة سوداء ، فلما استوت على الكرسي ، وهدأت الأصوات ، قرّ « بيل » الأمر بقتلها فاستمعت له مصغية ، ثم حاول بعض من حضر من أساقفة البروتستانط أن يميلها عن ديانتها ، فقالت له : » إنّي أموت على الدين الذي ولدت فيه » . فطلب منها الأمراء أن يصلّوا معها فقالت لهم : « إنّي أشكركم إذا صليتم لأجلي ، فأما صلاتي معكم وأنتم على غير مذهبي فإثم عليّ » . ثم أخذ الأسقف البروتستانطي في الصلاة ، فجثت وأخذت تدعوا وتصلّي باللاتينية فتابعها خدمتها ، فلما فرغوا قالت بلسان الإنكليز كلاما مضمونه الاستغفار عن الملكة اليصابت ، وتوفيق ابنها إلى طاعة الله ، وصرف غضبه تعالى عن جزيرة إنكلترة وما أشبه ذلك ، ثم تقدم الجلاد وطلب منها المسامحة فسامحته ، ثم نزع عنها خوادمها رداءها الأعلى وأخذن في النواح والنحيب ، فقبّلتهن واحدة فواحدة ، وطلبت منهن أن يكففن عن النواح ، ثم التفتت أيضا إلى الخدمة وطلبت منهم مثل ذلك وودعتهم ، ثم غطّت وجهها بمنديل أسود ، واستوت على الخشبة وجعلت تنشد فصلا من المزامير ، ثم اضطجعت وجعلت تقول : « ربي إنّي في يديك أضع روحي » . فتقدم الجلاد وضرب عنقها فقطع رأسها بضربتين ، فصرخ ذلك الأسقف : هكذا تهلك أعداء الملكة اليصابت ، فقال أمير « كنت » آمين . ثم صبّرت جثتها ونقلت بالاحتفال ودفنت في كنيسة بيتر بورو بإنكلترة ، وصنع لها أيضا مأتم حافل في باريس ، وكتب عند قبرها : هذا ضريح ماري ملكة سكوتلاند ، بنت ملك وزوجة ملك ونسيبة لملكة إنكلترة ، كانت زينة عصرها ونورا للملك ساطعا وقد حازت من المناقب أعلاها ومن المزايا أسناها . عودة إلى أيدنبورغ قال بعض من شاهد إيدنبرغ وكلاسكو من الإنجليز : إن للقسيسين ولفقهاء الشرع في إيدنبرغ يدا طويلة ، وكلمة نافذة ، فإن الناس تنقاد لهم في أكثر الأمور . ولا يكاد الناظر يترسم البيع والشراء إلا في حوانيتها بخلاف كلاسكو . ومن يقم فيها فكأنما