أحمد فارس الشدياق
313
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
هو مقيم في الريف ، وذلك لصفاء هوائها عن الدخان . ومن كل جهة منها يستنشق نسيم البحر . وهي مبنية من حجارة منيعة باقية على الدهر . ويمكن أن يقال : » إنه ليس في الدنيا كلها مدينة مثلها على هذا الوضع الأنيق . أما أهلها فما برحوا محافظين على عاداتهم ورسومهم القديمة وهي مخالفة لعادات الإنجليز جدا . كلاسكو أما كلاسكو فإنها أعظم منها في التجارة ، فإنها كلها عبارة عن معامل للثياب المنسوجة وغيرها . وهي وإن تكن أقل تجارة من منشستر إلا أن في هذه بيوتا كثيرة ، ومحترفات عديدة تختص بتلك . أما تجارتها وأشغالها في الحديد فعظيمة للغاية ، وأما في إنشاء المراكب والآلات من الحديد فمن الطراز الأول . فإنك نرى حولها أتاتين عديدة لا تزال متأججة حتى كأنّ ذلك القطر قطر جحيمي ، وحتى يخيّل للناظر أن خاطر الإنسان يرتاح إلى النار والدخان ، وإلى طقطقة الطارق إرتياحه إلى المكث في صقع من إيطاليا ، وإلى رؤية الرياض ، واستماع أصوات العيدان . وكأنّ هؤلاء الدخانيين لا يحسدون أحدا سواهم ممن يسكن في الريف المريع ، ولا يبالون بما تقوله الشعراء من وصف المروج الناضرة ، والجداول المترقرقة وغير ذلك من مسارح النظر الأنيقة . فما قاله ملطون حكاية عن الشيطان حين هبط إلى دركات الجحيم واستسلم إلى ما قدّر عليه ، ورضي بما طرأ عليه هناك من شواغل حياته الجديدة وهو « كن يا شر لي خيرا » إنما هو صفة هؤلاء الناس لا تتعداهم . فإنهم يتبجحون بكثرة مواقدهم ، وتكاثف دخانهم ، وكأنّ المدينة حالة كونها تقئ بعمد من النار ليلا ، وبعمد من الدخان نهارا ، تذكرة تذكّر الناسي بخروج بني إسرائيل من مصر . ولا شيء أعجب هنا من أن يرى الرائي تعدّد الألواح فوق حوانيتها ، وهي التي تكون عنوانا على اسم التاجر وحرفته ، فإن التاجر في لندرة يكتفي بوضع لوح واحد فوق حانوته ، فأما الطبقة التي فوق الحانوت فإنها تكون غالبا مقرا لعياله . أما في كلاسكو فإنك ترى حانوتا فوق حانوت ، ومخزنا فوق مخزن ، بل أعظم الحوانيت هي التي تكون فوق الطبقة الأولى . وقد تكون الدار كلها عبارة عن مخزن بضائع ، وأينما