أحمد فارس الشدياق

279

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

في الجانب الأيمن على دكك عليها زرابي ، وجلست الرجال على الأيسر على دكك متقابلة من دون زرابي ، وجلس في صدر المحل أربعة رجال ، وثلاث عجائز على دكة عالية ، وجلس دونهم خمس عجائز ، وثلاثة رجال ، وبقوا كذلك صامتين نحو ساعة ، ثم قام رجل من أصحاب الدكة العليا الذين كانوا أقرب إلى الوحي ، وألقى على الناس كلاما وجيزا نحو خمس دقائق ، معناه أن رضوان المولى هو بأن يكون عقل العبد منجذبا إليه ، وأنه ستأتي أيام يعين فيها بعض الناس بعضا بالإرشاد والهداية ، وأن جزاء كل إنسان منوط بعمله وما أشبه ذلك ، ولم يذكر في كلامه اسم المسيح ، ولا اسم روح القدس . وبعد نحو ربع ساعة قامت عجوز من أصحاب الدكة الثانية ، فقام جميع الحاضرين وحسرت الرجال عن رؤوسهم ، فإنه لا حرج على من ظل مقلنسا في المعبد ، وأخذت تصلي بصوت مرتعش نحو خمس دقائق ، فذكرت اسم المسيح ولم تذكر روح القدس ، ثم انفضوا . وشعار هذه الطائفة هو أن رجالهم يلبسون جببهم مثنية على أعناقهم من دون أطواق ، وأن النساء يلبسن برانيط طويلة من قدّام حتى تغم وجوههن ، وخصوصا العجائز ، وهي غالبا من الحرير ، وثيابهن من لون واحد . ومن مذهبهم أنهم يجتنبون مواضع الحظ واللهو والسكر ، وأن لا يحلفوا يمينا ما ولو في مجلس القاضي . ولا يرون في الحرب خيرا ، وحسبك بالسفراء الذين ذهبوا منهم إلى قيصر الروس عند ابتداء الحرب دليلا . ومن شأنهم الاقتصاد في النفقات ، وأن يساعد بعضهم بعضا . وقد كانوا في الزمن القديم عرضة للاضطهاد والطرد ، ولكنهم الآن آمنون . ولهم بعض خصائص منها : إذا تكلموا مع شخص أيا كان خاطبوه بلفظ المفرد ، بخلاف عرف اللغة . وإذا حضر أحدهم مجلس الملك حضر بكسوته الاعتيادية من دون وضع شعر عارية ، ولا ينزع برنيطته بيده وإنما ينزعها عنه آخر . ويخاطبون كل واحد بلفظة يا صاحب ، أو يا حبيب ، ولا يتنافسون في الألقاب والنعوت ولا يجودون بها على أحد . ولا يحدّون على ميت . وعندهم أن النساء في الفضائل والمناقب كالرجال . وعدد هذه الطائفة في برستول أكثر من عشرة آلاف نفس ، ولا يكاد يوجد بينهم فقير . قال الفيلسوف فلتير : لطائفة الكويكر معابد كثيرة في لندرة ، أعظمها الموضع المسمى منيومنت زرته مرة مع مضيفي ، فاجتمع فيه نحو أربعمائة رجل وثلاثمائة امرأة ،