أحمد فارس الشدياق

280

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

وكانت النساء ساترات وجوههن وعلى رؤوس الرجال برانيط كبيرة ، والجميع سكوت ، فجزت بينهم ولم يرفع أحد طرفه للنظر إليّ . وبعد صمت نحو ربع ساعة قام أحدهم وحسر عن رأسه ، ثم بعد أن أبدى بعض زفرات بعضها من فيه وبعضها من منخريه ، ألقى على الحاضرين جملا مشوشة مضطربة ، زعم أنها من الإنجيل . فلا هو ولا أحد غيره فهم منها شيئا ، فلما فرغ من ذلك انصرفت الجماعة ، فسألت مضيفي : ما بال حكمائكم يرضون بهذا الهذيان ؟ . فقال : إنا مضطرون إلى أن نرخص فيه ، لأنّا لا ندري هل الشخص الذي يقوم للخطبة يكون قيامه بوحي من الروح أو الحماقة ، فنصغي إلى ذلك ونحن صابرون مرتابون ، بل نرخص أيضا للنساء في الكلام . وقد يتفق أن يوحى إلى اثنين أو ثلاثة في وقت واحد ، فمن ثم يقع ضجيج ولغط في بيت الله . فقلت : « أليس فيكم إذا قسيسون ؟ قال : لا ، وإنّا لنجد أنفسنا بدونهم في حال أحسن » . ثم تلا من كتاب ما معناه أن الله تعالى لم يرض أن نخصص أحدا لقبول روح القدس في أيام الآحاد إخراجا لسائر المؤمنين منه ، ثم قال : الحمد لله على إنّا نحن دون سائر الناس لا قسيسين لنا ، ولم نترك ولدنا عند موضع إذا كان عندنا لبن يغذوه . مؤسس طائفة الكويكرس قال الفيلسوف المذكور : وانتشار مذهبهم كان في انكلترة سنة 1242 ، وذلك عندما ظهر فيها ثلاثة مذاهب أو أربعة ، أضرمت فيها نار الحرب بين الأهلين تعبدا لله تعالى ، فقام إذ ذاك رجل اسمه جورج فوكس من كورة يقال لها ليسستر ، وكان ابن رجل نسّاج للحرير ، فأخذ يعظ الناس وهو ابن خمس وعشرين سنة . وكان أميا حميد السيرة ، لكنه كان معتوها . فكان يلبس جلدا من رأسه إلى قدمه ويطوف من قرية إلى أخرى ، مقبحا على الحرب وعلى أهل الكنيسة . ولو أنه ذم العسكر وحدهم لما كان لقي ما يخاف منه ، إلا أنه لمّا كان ذمه موجها إلى رؤساء الدين لم يلبث أن قبض عليه ، وأحضر بين يدي قاضي دربي ، وهو على ذلك الزي وقلنسوته الجلد على رأسه ، فبادره أحد الجند بلكمة على خده ، وقال : قبحا لك ألم تعلم أنه ينبغي لك أن تحضر بين يدي القاضي حاسر الرأس ؟ . فأدار له فوكس خده الثاني والتمس إليه