أحمد فارس الشدياق

260

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

ولكلّ ميّت حداد معلوم ، ولكلّ دفنة سعر ، ولكن لا يخمشون عليه وجها ، ولا يشعثون شعرا ، وإذا أبقيت الجنازة في محل عند المقبرة ليلة واحدة أدّى عليها خمسة شلينات زيادة على الرسم المعتاد ، فقلت لمن طلب منّي ذلك : إنّ الحي يرقد على فراش وثير ليلة ويوسخه ، ولا يؤدّي أكثر من شلين واحد ، فكيف تطلب على طفل في تابوتة خمسة ، ؟ فقال : إنّ بين الحي والميّت فرقا . أمّا الكبراء فإنّهم يبقون جنازتهم أكثر من أسبوعين إشارة إلى أنّه غير جدير بأن يفارق هذه الدنيا . ومن الغريب أنّه إذا مات أحد منهم غريبا فلا بدّ من أن يعيدوه إلى وطنه ليدفن فيه ، فيا ليت شعري ما نفع الميّت لبلاده ؟ أو ما نفع بلاده له ؟ ولا يدفن ميّت إلا بشهادة الطبيب الذي عالجه ، أو أجهز عليه ، وذلك لكثرة ما يقع عندهم من القتل بالسم . والواقع أن الفرنسيس أكثر احتراما للجنازات من الإنكليز ، فإنّهم يمشون وراءها أيّا كانت ، وهم خاشعون حاسرو الرؤوس ، وحين تكون في البيت يوقدون حولها الشموع ليلا ويجعلون لها حارسا ، عادتهم في العيادة ومن عادتهم في العيادة أن يستعضلوا داء المريض لأهله أيّا كان ، ويلقوا في قلوبهم الرّعب بقولهم مثلا : إنّ فلانا مني بهذا الداء منذ أيّام فمات ، فإنه داء معضل ولا سيّما في هذه الأيّام ، فكنت كثيرا ما أتذكر ما حكي عن ذلك الرجل ، وقد مرض ، فعاده بعض أصحابه ، وقال له : ما تشتكي ؟ قال : وجع الرّكبة . قال : إنّها والله كانت علّة أبي فمات منها ، وإذا أصيب أحد بما يخاف منه العدوي فلا يعودونه أصلا . وقد كان لي طفل أصيب بالسعال ، فلمّا كنت أذهب إلى منزل دكطر لي على عادتي كانت زوجته تتجنّب مواجهتي ، فساءني ذلك أولا حيث لم يكن يخطر ببالي أنّ السعال يحمل من المبتلى به ، وينقل إلى صدور الجيران ، فلمّا علمت عموم ذلك