أحمد فارس الشدياق
261
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
هان عليّ مع أن الدكطرية المذكورة كانت على غاية من الورع . جزعهم عند المصيبة والظاهر أن جميع الإفرنج يجزعون عند المصيبة ولا يفوّضون أمرهم إلى الله ، وإن تلبّسوا بالعبادة ، واتّصفوا بالجراءة على أنّهم لا يكادون يفجعون بموت أحد إلا ويتناسونه ، فالاستسلام لقضاء الله إنّما هو من خصوصيات المسلمين ، وكفى بلفظ الإسلام دليلا عليه . وفي هذه القرى لا يوجد أطبّاء ولا عقاقيرية ، وإنّما يكون ذلك في بعض البلدان المجاورة لها ، حتى إن ما يوجد هناك منهم إن هو إلا نفاية ، فلو سكن أحدهم في إحدى المدن الجامعة لما نال بعلمه رغيفا . عادتهم في المأدب وعادتهم في المادب أن تجلس لضيوف على المائدة ، وتجلس سيّدة الدار في الصدر وتأخذ في أن تقطع لهم شرائح اللحم رقيقة ، وتناول الصفحة « 231 » للخادمة ، فتضعها الخادمة أمام الآكل . ولو حصل لك خمس حصص من تلك الشرائح لما شبعت ، والإكثار من أكل الخبز عندهم مظنّة الهمجيّة . وقد أدبت مرّة عند أحد أعيانهم ، فلمّا جلسنا على المائدة أخذت الفوطة ووضعتها على حجري ، وكانت كسيرة الخبز مخبّأة فيها ، فوقعت وأنا لا أدري ، واستحييت أن أطلب غيرها ، وهم ظنّوا أنّي تنكلزت في بلادهم ، فلمّا تحرّكنا للقيام إذا بالكسيرة لا صقة بنعلي ؛ فتذكّرت حينئذ قصّة ذلك السائل الذي طرق باب بخيل ، فرمى له بكسرة خبز أخت كسرتي هذه التي انتعلتها ، فأخذها وتأمّلها ، ثم طرق الباب مرّة أخرى ، فقال له صاحب الدار : قد أعطيناك فلم لا تنصرف ، قال : قد أعطيتموني هذا الدواء ولم تقولوا لي كيف استعمله . وإذا كان على المائدة لونان من الطعام ، أو ثلاثة ، كأن يكون مثلا شواء من
--> ( 231 ) كذا وردت وأحسبها : الصحفة كما جاءت في الطبعة الأولى . ( م ) .