أحمد فارس الشدياق

218

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

العرب بخلاف ذلك ، فإنّهم يسهبون في افتتاح الرسالة ، ويوجزون في الإمضاء ، فإذا كتب مثلا الداعي فلان ، أو عبدكم فلان كفى . وأهل تونس والغرب يكتبون كاتبه فلان . عادتهم في الزيارة واللقاء وكما اختلفت عادتنا عادتهم في المكاتبة والخطاب ، كذلك اختلفت في الزيارة واللقاء ، فإنّك إذا دخلت على أحد من أهل العربية احتفى بك غاية الاحتفاء ، وإن لم يكن بينكما صلة أو معرفة . وعند الانصراف لا يزيد على أن يقول لك : في أمان الله ، وربّما لم يقم لك . وإذا دخلت على إفرنجي أراك أنه مشغول عنك بما هو أهم من الزيارة ، وسألك أن تسرع في عرض حاجتك ، وعند انصرافك من عنده ينهض لك ويرافقك إلى الباب . وعند الفرنسيس لا بدّ من أن يكلّمك هناك كلاما يوجب وقوفكما ولو دقيقة إشارة إلى أنّه لم يمل منك . وفي الجملة فليس من الإفرنج من يصدق عليه إذا طرقه طارق قول الشاعر : فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا * رشدت ولم أقعد إليه أسائله أو قول الآخر : سلي الطارق المعتر يا أم مالك * إذا ما أتاني بين قدري ومجزري أيسفر وجهي إنه أول القرى * وأبذل معروفي له دون منكري قال النمري : المعروف ههنا القرى والإيناس وما شاكلهما ، والمنكر ههنا أن يسأله عن اسمه ونسبه وبلده ومقصده ، وكلّ هذا ممّا يجلب عليه حياء . ثم إنّ ما عبت به الإنكليز من الأخلاق والعادات مبني على اعتبار ما وصل إليهم من الفنون والعلوم ، وعلى كثرة ما عندهم من الوسائل الجديرة بأن تصفّي طباعهم عن غلاظة أسلافهم ، وتقدم بهم إلى الكمال . فإنّ ما يطبع عندهم من الكتب وصحف