أحمد فارس الشدياق

212

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

ويوم شنق المقضى عليه يكون فرجة للنساء فيهرعن صباحا من بيوتهن إلى مشاهدته حتى تغصّ بهنّ الطرق ، وهو دليل على شدّة قلوبهن وجرأتهن . وقتل القاتل عندهم لا يكون إلا بهذه الصورة . وفي أحوال كثيرة يقوم التغريب مقامه . وإذا أذنب أحد في في بلاد الفلاحين حبسه الشرطي إلى أن يمرّ القاضي بذلك الصقع ، فيقيم هناك مدّة وترفع إليه الدعاوى . وفي إنكلترة ووالس ستّون قاضيا ، ونحو ستمائة دار للقضاء ، وثلاث وثلاثون خزنة أو بيت مال . وقد مرّ في أول الكتاب عدد القضاة ومرتّبهم ، ومنع القصاص بالقتل في بعض الجرائر كان مما أحدثه سر روبرت بيل في سنة 1824 ثم منع على أي جريرة كانت ، ثم عمل به في بعض الأحوال . قال الفاضل كولدسميث : إنه يوجد في بلادنا من المجرمين المحكوم عليهم في سنة واحدة أكثر ممّا يوجد في نصف أوروبا ، فلا أدري هل سبب ذلك كثرة قوانيننا ، أو تعدّي أهل بلادنا ؟ ولعلّ ذلك مسبب عنهما معا فإن أحدهما ينتج الآخر . وفي بعض صحف الأخبار « إنا نرى الجرائر الآن قد تكاثرت ، وسبب ذلك الدفع بالشبهات ، فإن الذين يثبت عليهم القتل ، ونقب الديار يعاقبون بالنفي لا غير ، فإذا انقضت مدّتهم رجعوا شرّا مما كانوا من قبل » . على أن المصروف على تغريب هؤلاء المنفيين في كل سنة نحو أربعة وخمسين ألف ليرة ، وعدد أصحاب الجرائر التي دربوا فيها من نحو قتل وسرقة مما يوجب سجنهم عليها نحو ثمانين ألفا وهو أكثر من عدد العساكر ، ومصروفهم ضعفا مصروف هؤلاء . شرع الإنكليز واعلم أن شريعة الإنكليز هي أطول الشرائع أحكاما وأكثرها قيلا وقالا ، وأوسع من علم العربية قلبا وإعلالا ، فقد تستمرّ بعض الدعاوى التي تستدعي دهاء الفقهاء ومحالهم « 198 » ربّما يدوم خمسين سنة فأكثر . وقد أنفق مرّة في دعوى أقيمت على

--> ( 198 ) المحال : الحذق ، وجودة النظر ، والقدرة على دقة التصرف في الأمور . ( م ) .