أحمد فارس الشدياق

204

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

نصف الليل ، ولها قصّة طويلة لا يمكن إيرادها هنا . ومن ذلك اعتقادهم بأنّه متى احتضر شخص حضر في منزله روح يسمّونه رصد الميت فيسمع له قرع على الباب أو الحائط أو صوت نحو صوت جرّ السلاسل ، أو طنين الجلاجل ، فإذا سمع ذلك منه ثلاث مرّات كان الموت بعدها لا محالة . ومن النوادر هنا أن رجلا كان يماشي زوجته في بستان ، وهما يتحدّثان ، وفيما كان يكلّمها أحسّت بكرب وانقباض ، فقالت له : تنحّ بنا عن هذا الموضع فإنّي أظنّه محضورا « 195 » . فتنحّى عنه ، ثم سال بعد ذلك عنه فعلم أنه عند تحادثهما كان بالقرب منهما رجل يقتل نفسه . وقرأت في بعض صحف الأخبار أن رجلا قتل ولدا صغيرا فقضي عليه بالموت ، ولّما سئل عن سبب قتله إياه قال : كنت أريد أن أتخذ من جمجمته مصباحا ساترا حتى أدخل البيوت ولا يراني أحد . واتفق في بعض السنين أن ظهر في السماء نور أبيض امتدّ من المشرق إلى المغرب خفيف المرّ ، وكان كأنّه هباء ، ثم انتشر في عنان السماء كلّه وظهرت عقب ذلك جمرة في الأفق ، ثم كثر وعظم فطفق أهل الدار التي كنت فيها يبكون ويضجّون ويستغيثون ، فسألتهم عن سبب ضجيجهم ، فقالوا : إنّها آية على المعامع والحروب . فقلت « كلا بل هي آية على فساد البطاطس ، فانقلب بكاؤهم ضحكا . وهذه السنة كانت رابع سنة مشؤومة على غلة البطاطة في إرلندة ، فكان الناس في هاجس عظيم لذلك لأن جلّ طعام أهلها بل طعام الإنكليز أيضا إنّما هو منها . ثم أعقب تلك الآفة حميّات ووباء ، فمات أناس كثيرون ورثى لهم كثير من ادول ، فجاءهم إمداد منها ، وأمدّهم مجلس المشورة بلندرة بعشرة ملايين ليرة . واعلم أنه قد يتشاءم الإنسان من مكان أو زمان ويتفاءل بغيرهما ، ويكون ذلك مجرّد وهم مثاله أن يكون في محل لم ينتفع فيه إلا بوعود وأماني فيملّ منه ، وينتقل إلى آخر فتتحقّق فيه أمانيه ، فيرى أن ذلك من يمن الانتقال مع أنه لو بقي في المحل الأول لصحّت له .

--> ( 195 ) المحضور : الذي يحتضره الجن . ( م ) .