أحمد فارس الشدياق
199
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
منهم « فلو » ، وربّما كان أيضا من غير القسيسين . فإنّ كلّ من نبغ في علم من العلوم أجري عليه الرزق من الوقف ، فمنهم من له مائتا ليرة في السنة ، ومنهم من له أكثر ، ولكن بشرط أن لا يتزوّج . فمتى تزوّج انقطع عنه رزقه إلا أنهم لا يتزوّجون غالبا إلا بعد أن يحصلوا على معيشة من خدمة إحدى الكنائس . وفي كلّ سنة من يوم معلوم منها يحصل نزاع ولكام بين طلبة العلم وبين الأهلين ، وربّما غلبت فيه الطلبة على قلّتهم . ويسمّونه يوم الكون والتون ؛ وذلك لأن الطلبة يلبسون ثوبا أسود كالقفطان ، ويقال له : كون ، والبلد عندهم يقال له : تون . وفي كل من المدينتين مكتبة عربية غير أن كتب أكسفورد أكثر ، وفيها في سائر اللغات نحو ثلاثمائة ألف كتاب . وأعظم ما سرّني فيها هو نزولي في محل كان يسكن فيه شكسبير ، كذا قيل لي والله أعلم . وفي مدة إقامتي كلّها في كمبريج ، وهي أكثر من سنة لم أر من اللهو إلا قردا وقرّادا يلاعبه ، وكان القرد يضرب بالدف والنساء والأولاد والرجال يجرون وراءه ، ولم أر أحدا منهم أعطاه شيئا . ورأيت مرّة أخرى امرأتين تعزفان بآلة الطرب فرميت لهما من الشبّاك بنصف شيلين فاستكثرتاه . ثم إن القائم بخدمة أصحاب هذه المدارس نساء وأغلبهن حسان ، فتأتي المرأة في الصبح إلى محل أحدهم ، وهو في فراشه ، لتوقد له النار ، وفي الليل تحضر له الشاي . وكنت مرّة عند أحدهم فأقبلت امرأة كأنّها البدر الطالع ، وقالت له : هل دعوتني يا سيدي ؟ قال : لا . ثم دعاها لتحضر الشاي . فتأملتها على النور ، وإذا هي نور آخر . وقد ذكرت ذلك لبعض المتورّعين من أهل المدارس فأقرّ بأنّه غير لائق ، وإنّما جرت به العادة ولا سيّما أنّ هؤلاء النساء متزوجات ولا يذهبن إلى أزواجهن إلا عند نصف الليل . وفي هاتين المدينتين عادة قبيحة في البيع والشراء ، وذلك أن الباعة يبيعون الطلبة نسيئة « 187 » ويتقاضونهم ما هو فوق القيمة . فإذا أراد غريب أن يشتري شيئا تقاضوه قيمة النسيء إلا أن يكون الشاري عارفا بأحوالهم فيقول : إنّما شرائي بالنقد . وقلّ
--> ( 187 ) يبيعونه بنسيئة : يؤجلون قبض الثمن ؛ فيرتفع ثمنها . ( م ) .