أحمد فارس الشدياق
137
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
وترسّمها « 125 » . وتبقى على ذلك سنين بخلاف بيوت لندرة فإنّها لّما كانت هدفا للدخان والضباب لم تلبث أن تسودّ كما سنذكر ذلك إن شاء الله . ولهم في تجديد الأبنية مهارة غريبة وذلك أنّهم إذا أرادوا مثلا هدم دار هدموا أولا أسفل جدرانها وأسندوا القائم منها بعضائد ، ثم بنوا الأسفل فربّما نجز الهدم والبناء في وقت واحد . وبعض البيوت يبنون خارجها كالسفينة من قطع خشب يعارضون بعضها ببعض ، ثم يطيّنونها وربّما كانت تلك الأخشاب قديمة . وفي الجملة فإن بيوت الفلاحين حسنة مهندسة ، غير أن منها ما يكون أصغر من سطحه ، فإن السطوح عندهم على ثلاثة أنواع : الأول من ألواح المكاتب التي يتعلم عليها الخط ، وهي للديار الكبيرة . والثاني : من الخزف ، وهو للبيوت الوسط . والثالث : من التبن ، فهذا يكون قبيح المنظر ، وهو يرقّع كما يرقّع الثوب ، ويقولون : إنّه أحسن من غيره شتاء وصيفا فإنّه في الشتاء يمنع البرد ويردّ الثلج ، وفي الصيف يمنع الحرّ . ولا يكون السطح عندهم إلا مسنّما . والفاصل بين ألواح الزجاج في الشبابيك أكثره قضبان رصاص بدلا من الخشب ، وربّما كان الزجاج مربّعا أو مخمّسا فيكون للعين أنيقا وحيث كان في السابق ضريبة للميري على الطيقان إذا زادت على ثمانية كان الناس يتحاشون من مجاوزة هذا الحد ، ولكنّه الآن أبطل تمتعا بنور الله وهوائه ، ولكن قام مقامها ضريبة أخرى . وكل دار لا بد وأن يكون فيها عدة مواقد للنار ، وأسرّتهم كلّها من خشب لا من حديد ، والغالب أن أرض منازلهم تكون مفروشة باللبد أو البسط من الزرابي ، وأثاثهم بين بين ، وقلّ أن ترى عندهم من الصور إلا صورة كبير العائلة ، وصورة الخيل في السباق أو صورة أرانب وكلاب . أمّا بيوت الأغنياء والمترفين فلا شيء أجمل منها لإحكام بنائها ، وحسن ترتيبها وحيطانها من داخل مغشّاة بالورق الفاخر المنقش ، وطيقانها محكمة الوضع كبيرة قطع الزجاج وهو يقارب البلور في الصفاء والبريق ، ودرجها وأرضيتها من الخشب المتين ولهم إسراف زائد في الأثاث فإنّ أسرّتهم وموائدهم وأصونتهم وكراسيهم وخزائن كتبهم كلها من الخشب المسمى بالماهيكون ، وقد تبلغ قيمة ذلك في الجملة
--> ( 125 ) ترسّم الشيء : تبصره ، ونظر كيف هو . ( م ) .