أحمد فارس الشدياق
117
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
جينوى ثم سافرنا منها إلى جينوى فبلغناها فجر الخميس ، وهذه المدينة مشهورة بكثرة الصروح العالية والديار الشاهقة جدّا ، وفيها قصور كثيرة من المرمر ، وبساتين ناضرة وفاكهة طيّبة ، وهي في نجوة « 111 » من الأرض متفاوضة « 112 » الوضع ، وطرقها أضيق من طرق ليفورنو ، ولهذا كانت عواجلها أقل من تلك ، إلا أنّ الشمس لا تستحكم في مسالكها لكثرة شرفات الديار المائلة ، فكأنّها مبنيّة من أصلها لحجب الشمس . وفيها حوانيت بهيجة ولا سيّما حوانيت الصاغة ولها قنطرة قديمة شاهقة جدّا إذا نظرت منها إلى الحضيض هالك ارتفاعها . وفيها الفاكهة الطيّبة ، والخبز النظيف ، ومحل قهوة في غيضة أنيقة ، وهي في الحقيقة نزهة للناظرين وما أشبّهها إلا بدمشق ، وليس على من يدخلها إن يدفع شيئا . لمحة تاريخية كان تأسيسها في سنة 707 قبل الميلاد ، وكانت في زمن دولة الرومانيين حافلة غنّاء . وفي القرن الحادي عشر امتدّت تجارتها بحرا وبرّا ، وفي مدّة الحروب الصليبية صارت مضاهية لفينيسيه في الغنى والثروة حيث كانت موردا للعساكر التي كان يراد تجريدها إلى البلاد المشرقية ، ثم وقع فيها من الفتن والتحزّب ما أضعف دولتها فدخلت في حماية دولة فرنسا ، ثم في عهدة شارلكان ( أي كارلوس الخامس الشهير ) فاستخلصها من الفرنسيس ، وصارت تتحزّب مع إسبانيا عليهم ، وفي سنة 1796 استولى عليها الفرنسيس أيضا وفي سنة 1800 حاصرهم فيها الإنكليز والروس وعساكر أوستريا حصارا ديدا فاضطروا إلى تسليمها ، ثم رجعت إلى عهدة فرنسا . وفي سنة المهادنة وهي سنة 1814 سلّمت لملك سردينية .
--> ( 111 ) في نجوة من الأرض : في مرتفع . ( م ) . ( 112 ) في الطبعة الأولى : متفاوتة الوضع : وهي الأصوب . ( م ) .