أحمد فارس الشدياق
118
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
مرسيلية ثم سافرنا منها يوم الخميس بعد الظهر فبلغنا مرسيلية في الساعة العاشرة من صباح يوم الجمعة ، ولهذه المدينة مرسى عظيم يسع ألفا ومائتي سفينة ولا يزال مشحونا بالبواخر . ولكثرة ورود المراكب إليها قطعوا خليجا من البحر ووصلوه به . وفيها عدّة مكاتب وملهى يعدّ من أحسن ملاهي أوروبا ، وبستان للنباتات ، ومكتبة موقوفة ، ومصرف فسيح أعني البورس « 113 » . وفي ضواحيها أكثر من خمسة آلاف دار ، ولها تجارة واسعة مع المشرق وإفريقية وأميركا وإنكلترة والبحر الأسود ، كان تأسيسها في سنة 599 قبل الميلاد ، وكانت في الزمن القديم ملحقة بولايات الرومانيين ومنها توصّلوا إلى فتح فرنسا . وفي هذه المدينة محال عظيمة للقهوة مغشاة حيطانها ، وسقوفها بالمرايا والنقوش والتماثيل ، وأمامها مصاطب يقعد عليها الناس ، وإن لم يشتروا شيئا منها . وأهل المدينة يصرفون فيها أكثر أوقاتهم كل طبقة منهم تنتاب منها محلا خاصا . وفي بعضها ترى قيانا حسانا يغنين وهنّ كاشفات الصدور ، وعند ملهاها عدّة ديار تسكنها المومسات يستدعين الغادي والرائح ، وهي وسخة الحارات والأطراف لكنها بهيّة الحوانيت والديار مبلّطة الطرق . وليس في ديارها مراحيض وإنّما يجمعون أقذارهم في وعاء إلى أن يأتي رجل معه عجلة وعليها برميل كبير فيناولونه الوعاء فيفرغه في البرميل . وما يجمعه فيه فإنه يبيعه لتدميل الأرض ، ولا أعرف مدينة أخرى بهذه الصفة ، ومنهم من يقذف بالأقذار أمام البيوت ليلا فلهذا يشم الماشي في أكثر طرقها رائحة كريهة ، وماؤها في بعض الديار أجاج ولعدم الاكتفاء به نهروا إليها نهرا كبيرا من مسافة نحو ستّين ميلا ، فأحوج ذلك إلى أن ينقبوا له بعض الجبال ، ثم بنوا عليه جسرا عظيما يشتمل على نحو ثلاثة صفوف من القناطر بعضها فوق بعض ، وفي كلّ صفّ خمسون قنطرة ، وارتفاع علياها من الحضيض نحو مائة وعشر أذرع ، وعرض الماء الجاري فيه تسع أذرع ونصف في علوّ مثلها ، وجميع أحجار هذا الجسر
--> ( 113 ) يقصد سوق الأوراق المالية ( بورصة ) . ( م ) .