الغزي

304

نهر الذهب في تاريخ حلب

وسميت أيضا أنطاكية دفنة أنطاكية دفنة نسبة إلى غابة قديمة العهد شهيرة عند الأقدمين مختصة بعبادة الوثن أبولون ولقبها بلينسيوس مملكة الشرق . وكانت تحسب عاصمة ثالثة للمملكة الرومانية . وكان داخل سور أنطاكية صخور بارتفاع 700 قدم وصخور رملية وشلالات ومجار للمياه . وفي وسط ذلك كله بساتين بديعة ورياض أنيقة كأن من نفحات أزهارها طابت قرائح أولئك المشاهير الذين نشؤوا في أنطاكية كيوحنا فم الذهب وليباتيوس وجلياتوس . ووراء الضفة اليمنى من العاصي سهول واسعة محاطة في إحدى جهاتها بجبل اللكام وبقية الجبال المتفرعة من جبال البياري . ومن الجهة الأخرى محاطة بآكام سلسلة جبال النصيرية . وكان سلقوس حينما شاد المدينة بنى في غابة دفنة المعروفة الآن بطواحين بيت الماء هيكلا لأبولون التمثال المحبوب عند السلوقيين . ثم رفع ابنه سوتر في وسط المدينة قوسا عظيما كان منصوبا فوقها « 1 » تمثال جسيم لأبولون . ولم تزل أنطاكية في عهد السلوقيين والرومانيين تعظم وتزداد حسنا وجمالا وحضارة وعمرانا وتكثر فيها الهياكل والشوارع والبساتين والتماثيل والحمامات حتى بلغت غاية يكلّ عنها قلم الوصف . وبعد خراب كنائس اليهود وظهور الديانة المسيحية أخذت تعمر فيها الكنائس المسيحية . وهي أول مدينة أسست فيها كنيسة مسيحية . وأول كنيسة بنيت فيها كانت في أيام قسطنطين وقد بني فيها هذا القيصر عدة بنايات عجيبة . وآخر القياصرة الذي « 2 » اعتنوا بتجميلها كان القيصر بالاتس . وقد توالت على هذه المدينة الجميلة العظيمة نكبات الدهر وانصبت إليها طوارق الحدثان واستولت الزلازل عليها استيلاء لا ينقطع أمده ولا يتناهى مدده واحترقت مرات . وأول زلزال عراها كان قبل المسيح عليه السلام بمائة وثمان وأربعين سنة . ثم في سنة ( 115 ) قبل المسيح في عهد القيصر تراجان تعاقبت عليها الزلازل المهولة حتى حولت مجاري أنهارها وهلك بها خلق كثير . ثم لم تزل تعاودها الزلازل إلى أن كانت سنة 526 وسنة 527 مسيحية فدهمتها زلزلة دمرت معظمها وأهلكت من سكانها ( 250 ) ألف إنسان فغيروا

--> ( 1 ) ذكّر الغزّي القوس أولا ، ثم أعاد عليها الضمير مؤنثا . قال الفيروزآبادي : « القوس : مؤنثة وقد تذكر » . وكان ينبغي اتباع أحد الوجهين في عبارة الغزي . ( 2 ) الصواب : « الذين » ، صفة للقياصرة .