أحمد بن محمد المقري التلمساني
48
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
فقل أرقصت منها البحيرة متنها * كما يرقص المولود من كان لاهيا أرتنا طباع الجود وهي وليدة * ولم ترض في الإحسان إلّا تغاليا « 1 » سقت ثغر زهر الروض عذب برودها * وقامت لكي تهدي إلى الدهر ساقيا « 2 » كأن قد رأت نهر المجرّة ناضبا * فقامت بأن تجري إليه السواقيا « 3 » وقامت بنات الدّوح فيه مواثلا * فرادى ويتلو بعضهنّ مثانيا « 4 » رواضع في حجر الغرام ترعرعت * وشبّت ، فشبّت حبّها في فؤاديا « 5 » بها كلّ ملتفّ الغدائر مسبل * تجيل به أيدي النسيم مداريا « 6 » وأشرف جيد الغصن فيها معطّلا * فقلّدت النّوّار منه التراقيا إذا ما تحلّت درّ زهر غروسه * يبيت لها النّمّام بالطيب واشيا مصارفة النقدين فيها بمثلها * أجاز بها النقدين منها كما هيا فإن ملأت كفّ النسيم بمثلها * دراهم نور ظلّ عنها مكافيا فيملأ حجر الروض حول غصونها * دنانير شمس تترك الروض حاليا تعوّد في أفنانها الطير كلّما * تجسّ به أيدي القيان الملاهيا « 7 » تراجعها سجعا فتحسب أنها * بأصواتها تملي عليها الأغانيا فلم ندر روضا منه أنعم نضرة * وأعطر أرجاء ، وأحلى مجانيا ولم نر قصرا منه أعلى مظاهرا * وأرفع آفاقا ، وأفسح ناديا معاني من نفس الكمال انتقيتها * وزيّنت منها بالجمال المغانيا « 8 » وفاتحت مبناه بعيد شرعته * تبثّ به في الخافقين التهانيا ولمّا دعوت الناس نحو صنيعه * أجابوا لهم من جانب الغور داعيا
--> ( 1 ) الجود : الكرم ، وتغاليا : زيادة . ( 2 ) البرود - بفتح الباء وضم الواو - البارد . ( 3 ) نضب الماء ينضب : غاض وغار ووقع في ب : « فراقت بأن تجري . . » . ( 4 ) بنات الدوح : أراد الحمام . ( 5 ) شبت ( الأولى ) : بمعنى كبرت وترعرعت . وشبت ( الثانية ) : بمعنى أوقدت . ( 6 ) المداري : جمع مدرى ، وهي المشط . ( 7 ) القيان : المغنيات . ( 8 ) المغاني : المنازل .