أحمد بن محمد المقري التلمساني

26

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

الأيدي إلى أقوام جلّة سعدوا بشقائه ، وامتحنوا وهم المبرّؤون من تزويره واعتدائه ، وسيسألون يوم لا يغني مال ولا بنون . وصار يصرف أغراضه ، ويظهر أحقاده ، بين إفصاح بما كان الإعجام خيرا من إلقائه ، وإن عمر المسكين المستضعف لا حاجة في طول بقائه ، إلى مجاهرة عهد منه أيام شبيبته نقيضها ، وانعكس في شاخته تصريحها المنغص وتعريضها ، لا يريح نفسه من جهد ، ولا يقف من اللجلجة « 1 » عند حدّ ، وقد كان ثقل سمعه فساءت إجابته ، وطغت أخلاقه فسئمت « 2 » وساطته ، وربما استحلف فلم يكن بين اللازمة واللازمة إلّا الحنث عن قصد وغير قصد ، ودعا على نفسه وأبنائه بإنجاز وعد ، وأن يقيض اللّه له ولهم قاتل عمد ، فسبحان القاهر فوق عباده ، الرحيم بهذا الشخص وبالأموات من شيعته وأولاده ، فاستمرّ على ذلك إلى إحدى الليالي ، فهلك في جنح الليل في جوف داره على يد مخدومه ، تلقّاه - زعموا - عند الدخول عليه ، وهو بالمصحف رافع يديه ، فجدلته السيوف ، وتناولته الحتوف ، فقضي عليه ، وعلى من وجد من خدّامه وابنيه ، كل ذلك بمرأى عين من أهله وبناته ، ولم يتّقوا اللّه فيه حقّ تقاته ، فكانت أنكى الفجائع ، وأفظع الوقائع ، وساءت القالة ، وعظم المصاب ، وكل شيء إلى أجل نافذ وكتاب . انتهى كلام ابن الأحمر في مقدمة كتابه . وقد اطلعت منه على تصاريف أحوال ابن زمرك ، وقتله على الوجه الذي يعلم منه أنّ ثأر لسان الدين بن الخطيب لديه لا يترك ، بل قتلته أفظع من قتلة لسان الدين ؛ لأنّ هذا قتل بين عياله وأهله ، وقتل معه أبناه ومن وجد من خدمه ، ولسان الدين رحمه اللّه تعالى خنق بمفرده ، وعند اللّه تجتمع الخصوم ، وهو العفوّ الغفور . وقد فهم من مضمون ما سبق أنّ قتل ابن زمرك بعد عام خمسة وتسعين وسبعمائة ، ولم أقف من أمر على غير ما تقدّم . ولا بأس أن نلم بشيء من نظمه البارع ممّا كنت انتقيته بالمغرب من تأليف ابن الأحمر المذكور ، وأوردت كثيرا منه في « أزهار الرياض » . [ قصيدة لابن زمرك في التهنئة بالعيد ] فمن ذلك قوله في ذكر غرناطة العلية ، وتهنئة سلطانه الغني بالله ببعض المواسم العيدية ، ووصف كرائم جياده ، وآثار ملكه وجهاده : [ البسيط ] يا من يحنّ إلى نجد وناديها * غرناطة قد ثوت نجد بواديها « 3 »

--> ( 1 ) اللجلجة : ترديد الكلام . ( 2 ) في ب : « فسئم الناس » . ( 3 ) ثوت : أقامت . ومدرج نجد : متنزه في غرناطة .