أحمد بن محمد المقري التلمساني
22
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
نثاره ونظامه ، فأضفنا ذلك إلى ما وقع عليه اجتهادنا من رقاعه « 1 » الحائلة المنتهبة بأيدي النوائب ، الداثرة المستلبة بتعدي النواصب ، فخلص من الجملة قلائد عقيان ، وعقود درّ ومرجان ، ترتاح النفوس النفيسة لإنشادها ، وتحضر الأبصار والأسماع عند إيرادها ، إلى ما يتخلّلها من تخليد مآثر سلفنا ، والإشارة بعظيم ملكنا ، فشرعنا في تقييد أوابدها الشاردة ، وإحياء رسومها البائدة « 2 » ، كلفا بالأدب لوضوح فضله ، وتأدية لما يجب من رعاية أهله . ولنبدأ بالتعريف بحال هذا الرئيس المنبه عليه ، ونظهر ما كنّا نضمره من الميل إليه ، في كل ما له أو عليه ، فنقول : هو الفقيه الكاتب ، الفذّ الأوحد « 3 » ، أبو عبد اللّه محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن يوسف الصريحي ، ويعرف بابن زمرك . أصله من شرق الأندلس ، وسكن سلفه بالبيازين من غرناطة ، وبها ولد ، فنشأ ضئيلا كالشهاب يتوقّد ، مختصر الجرم والأعين بإطالة فواضله تشهد ، ومكتب الفئة القرآنية يؤثره بالجناب الممهّد ، فاشتغل أول نشأته بطلب العلم والدؤوب على القراءة ، وأخذ نفسه بملازمة حلقات التدريس ، ولم يبلغ حدّ وجوب المفترضات إلّا وهو متحمّل الرواية ، وملتمس لفرائد « 4 » الدراية ، ومصابح كلّ يوم أعلام العلوم ، ومستمدّ بمصابيح الحدود العلمية والرسوم ، فافتتح أبواب الكتب النحوية بالإمام أبي عبد اللّه بن الفخار الآية الكبرى في فنّ العربية ، وتردّد الأعوام العديدة إلى قاضي الجماعة أبي القاسم الشريف فأحسن الإصغاء ، وبذ « 5 » النحاة البلغاء ، بما أوجب رثاءه عند الوقوف على ضريحه بالقصيدة الفريدة التي أوّلها : [ الرجز ] أغرى سراة الحيّ بالإطراق واهتدى في طريق الخطبة ومناهج الصوفية بالخطيب المعظم أبي عبد اللّه بن مرزوق الوافد على مولانا الجدّ أبي الحجاج ، رضي اللّه عنه ، في عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة ، وإليه جنح « 6 » ، وإياه قصد عند تغرّبه إلى المغرب في دولة السلطان أبي سالم ، فتوجّه بالعمامة التي ارتجل بين يديه فيها : [ المجتث ]
--> ( 1 ) الرقاع : الصحف التي كتب فيها . والحائلة : المتغيرة . ( 2 ) البائدة : الزائلة . ( 3 ) الفذ : الفرد ، والمتفرد في ذكاء أو علم أو مكانة أو نحوها . ( 4 ) في ب ، ج : « لفوائد الدراية » . ( 5 ) بذّ : فاق . ( 6 ) جنح : مال .