أحمد بن محمد المقري التلمساني
23
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
توّجتني بعمامه * توّجت تاج الكرامة فروض حمدك يزهى * مني بسجع الحمامة وأخذ علم الأصلين عن الحافظ الناقد أبي علي منصور الزواوي ، وبرع في الأدب ، أثناء الانقطاع وأوّل الطلب لأبي عبد اللّه بن الخطيب ، ولكن لم يحمد بينهما المآل ، واقتدى في العلوم العقلية بالشريف أبي عبد اللّه التلمساني قدوة الزمان ، وحصلت له الإجازة والتحديث بقاضي الجماعة وشيخ الجملة أبي البركات بن الحاج ، وبالخطيب البليغ أبي عبد اللّه اللوشي ، وبالخطيب الورع أبي عبد اللّه بن بيبش العبدري ، رضي اللّه تعالى عنه وعن جميعهم ، وبواجب محافظتنا على عهودهم ، إذ نحن وردنا بالإجازة التامة عذب وردهم « 1 » ، وصل سببنا بهم الكثير من شيوخنا مثل الإمام المعظم أبي محمد عبد اللّه بن جزي ، ومعلمنا الثقة المجتهد أبي عبد اللّه الشريشي ، والقاضي الإمام أبي عبد اللّه محمد بن علي بن علاق ، وغيرهم ، رحمة اللّه تعالى عليهم ! لذلك صار صدرا في نوادي طلبة الأندلس وأفراد نجبائها ، فما شاءه المحاضر يجده في خضله « 2 » ، ويتلّقاه من باهر فضله ، فكاهة ومجالسة أنيقة ممتعة ومحادثة أريضة مزهرة ، وجوابا شافيا للمعضل « 3 » ، وذهنا سابقا لإيضاح المشكل ، مع انقياد الطبع ، وإرسال الدمعة في سبيل الخشوع والرّقة ، ورشح الجبين « 4 » عند تلقّي الموعظة ، وصون الوجه بجلباب الحياء ، ومقابلة الناظر إليه بالاحتشام ، والمبادرة للاستدعاء ، على طهارة وبذل وسع وكرم نفس ، لم يعهد أجمل مشاركة منه لإخوانه ، ولا أمتع منه بجاهه ، إلى مبالغة في الهشّة والمبرّة والإيثار بما منح ، وجنوح إلى حبّ الصالحين ، وذلك بالانضواء إلى شيخ الفرق الصوفية الولي أبي جعفر بن الزيات ، وأخيه الفاضل الناسك شيخنا أبي مهدي ، قدّس اللّه تعالى مغناه ! وسواهما من أهل الأندلس والعدوة ، وحمله أشدّ الحمل على كل ملبّس كأبي زكريا البرغواطي وسواه . ومن تنديراته - زعموا - على أبي الحسن المحروق لميله عنه : [ الخفيف ] ولد الفقر والرباط ولكن * نفسه للسلوك ذات افتقار وخطب الأدب يافعا وكهلا « 5 » ، وحاز علمه إدراكا ونبلا ، ولما كانت الحادثة على مولانا
--> ( 1 ) الورد : ورود الماء . ( 2 ) الخضل : اللؤلؤ الجيد ، الدر الصافي . ( 3 ) في ب : « للمفضل » . ( 4 ) رشح جبينه : أراد أنه يعرق . ( 5 ) خطب الأدب يافعا وكهلا : أراد أنه بدأ طلبه الأدب منذ حداثة سنه ولم يتركه طوال حياته .