أحمد بن محمد المقري التلمساني

9

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

[ الخفيف ] فاتني أن أرى الديار بطرفي * فلعلّي أرى الديار بسمعي وعلى ذلك فذهبت في ترتيبه أغرب المذاهب ، وقرعت في التماس الإعانة باب الجواد الواهب ، وأطلعت فصوله في ليل طلوع نجوم الغياهب ، وعرضت كتائب العزيمة عرضا ، وأقرضت اللّه قرضا ، وجعلته شجرة وأرضا ، فالشجرة المحبّة مناسبة وتشبيها ، وإشارة لما ورد في الكتب المنزلة وتنبيها ، والأرض النّفوس التي تغرس فيها ، والأغصان أقسامها التي تستوفيها ، والأوراق حكاياتها التي تحكيها ، وأزهارها أشعارها التي تحييها ، والوصول إلى اللّه تعالى ثمرتها التي ندّخرها بفضل اللّه ونقتنيها ، شجرة لعمر اللّه يانعة ، وعلى الزعازع متمانعة ، ظلّها ظليل ، والطرف عن مداها كليل ، والفائز بجناها قليل ، رست في التخوم ، وسمت إلى النجوم ، وتنزّهت عن أعراض الجسوم ، والرياح الحسوم ، وسقيت بالعلوم ، وغذيت بالفهوم ، وحملت كمائمها بالزهر المكتوم ، ووفيت ثمرتها بالغرض المروم ، فاز من استأثر بجناها ، وتعنّى « 1 » من عني بلفظها دون معناها ، فمن استصبح بدهنها استضاء بسناها ، ما أبعدها وما أدناها ، عينا ملأت الأكفّ بغناها ، كم بين أوراقها من قلب مقلّب ، وفي هوائها من هوى مغلّب ، وكم بين « 2 » أفنانها من صادح ، وكم في التماس سقيطها من كادح ، وكم دونها من خطب فادح ، ولأربابها من هاج ومادح ، تنوّعت أسماؤها ، ولم تتنوّع أرضها ولا سماؤها ، فسميت نخلة تهزّ وتجنى ، وزيتونة مباركة يستصبح بزيتها الأسنى ، وسدرة إليها ينتهي المعنى ، أصلها للوجود أصل ، وليس لها كالشجر جنس ولا فصل ، وتربتها روح ونفس وعقل ، وشرفها يعضّده بديهة ونقل ، يحطّ الهائمون بفنائها ، ويصعد السالكون حول بنائها ، تخترق السبع الطباق ببراقها ، وتمحي ظلم الحس بنور إشراقها ، فسبحان الذي جعلها قطب الأفلاك ، ومدافن الأضواء والأحلاك ، ومغرّد طيور الأملاك ، وسبب انتظام هذه الأسلاك ، لم يحلّ فيها طريد بعيد ، ولا اتّصف بصفاتها إلّا سعيد ، ولا اعتلق بأوجها هاو « 3 » في حضيض ، ولا بمحض برهانها مختبط في شرك نقيض ، ولا تعرّض لشيم « 4 » بوارقها متّسم بسمة بغيض ، الحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه ، ومنه نستزيد الاستغراق في بحارها ،

--> ( 1 ) تعنّى : احتمل العناء ، وهو التعب والمشقة . ( 2 ) في ب « وكم فوق أفنانها » . ( 3 ) هاو : ساقط . ( 4 ) شام البرق : نظره هل فيه مطر .