أحمد بن محمد المقري التلمساني
10
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
والاستنشاق لنواسم أسحارها ، والاستدلال بذرى أفنانها عليه ، والوصول بسبب ذلك إليه ، إنه ولي ذلك سبحانه ، فطاب لعمري المنبت والنابت ، وسما الفرع الباسق « 1 » ورسا الأصل الثابت ، وفاءت الأفنان « 2 » ، وزخرفت الجنان ، وتعدّدت الأوراق والزهرات والأغصان ، ولم أترك فننا إلّا جمعت بينه وبين مناسبه ، ولا فرعا إليّ ضممته إلّا ما يليق به ، واستكثرت من الشعر لكونه من الشجرة بمنزلة النسيم الذي يحرّك عذبات أفنانها ، ويؤدي إلى الأنوف روائح بستانها ، وهو المزمار الذي ينفخ الشوق في يراعته « 3 » ، والعزيمة التي تنطق مجنون الوجد من ساعته ، وسلعة ألسن العشّاق ، وترجمان ضمير الأشواق ، ومجلى « 4 » صور المعاني الرقاق ، ومكامن قنائص الأذواق ، به عبّر الواجدون عن وجدهم ، ومشى المحبّون إلى قصدهم ، وهو رسول الاستلطاف ، ومنزل الألطاف ، اشتمل على الوزن المطرب ، والجمال المعجب المغرب ، وكان للأوطان مركبا ، ولانفعال النفوس سببا ، فلا شيء أنسب منه للحديث في المحبة ، ولا أقرب للنفوس الصّبّة ، واجتلبت الكثير من الحكايات وهي نوافل فروض الحقائق ، ووسائل مجالس الرقائق ، ومراوح النفوس من كدّ الأفكار ، وإحماض مسارح الأخبار ، وحظّ جارحة السمع من منح الاعتبار ، وبعض الجواذب لنفوس المحبين ، والبواعث لهمم السالكين ، وحجّتها واضحة بقوله تعالى : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ [ سورة هود ، الآية : 120 ] في القرآن المبين ، ونقلت شواهد من الحديث والخبر تجري صحاحها مجرى الزكاة من الأموال ، والخواطر من الأحوال ، ويجري ما سواها من غير الصحيح مجرى الأمثال ، ليكون هذا الكتاب لعموم خبره « 5 » ، مسرحا للفاره وغيره ، ويجد كلّ ميدانا لسيره ، وملتقطا لطيره ، ومحكّا لغيره ، فمن فاق كلف بأصوله ، ومن قصر قنع بفصوله ، ومن وصل حمد اللّه تعالى على وصوله ، وسميته « روضة التعريف ، بالحب الشريف » ويحتوي على أرض زكيّة ، وشجرات فلكيّة ، وثمرات ملكيّة ، وعيون غير بكيّة . « والحبّ حياة النفوس الموات ، وعلّة امتزاج المركبات ، وسبب ازدواج الحيوان والنبات ، وسرّ قوله عزّ وجلّ أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ [ سورة الأنعام ، الآية : 122 ] ليس كالحب الذي دوّن فيه المدوّنون ، ولعبت
--> ( 1 ) الباسق : الذاهب صعدا في الهواء . ( 2 ) فاءت : صارت ذا فيء ، والأفنان : جمع فنن وهو الغصن . ( 3 ) اليراعة : القصبة الجوفاء التي يزمر بها ، وهي مأخوذة من ترعرع الصبي ، وقال البارودي في هذا المعنى : وما أنا ممن يأمر الحب قلبه * ويملك سمعيه اليراع المثقب ( 4 ) في ب « ومجتلى » . ( 5 ) في ب « خيره » .