أحمد بن محمد المقري التلمساني

68

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

ولمّا نأت داري وأعوز مطمعي * وأقلقني شوق يشبّ جحيمه بعثت بها جهد المقلّ معوّلا * على مجدك الأعلى الذي جلّ خيمه وكلت بها همّي وصدق قريحتي * فساعدني هاء الرويّ وميمه فلا تنسني يا خير من وطئ الثّرى * فمثلك لا ينسى لديه خديمه عليك صلاة اللّه ما ذرّ شارق * وما راق من وجه الصباح وسيمه « إلى رسول الحقّ ، إلى كافة الخلق ، وغمام الرحمة الصادق البرق ، الحائز في ميدان اصطفاء الرحمن قصب السّبق ، خاتم الأنبياء ، وإمام ملائكة السماء ، ومن وجبت له النبوّة وآدم بين الطّين والماء ، شفيع أرباب الذّنوب ، وطبيب أدواء القلوب ، والوسيلة إلى علّام الغيوب ، نبيّ الهدى الذي طهر قلبه ، وغفر ذنبه ، وختم به الرسالة ربّه ، وجرى في النفوس مجرى الأنفاس حبّه ، الشفيع المشفّع يوم العرض ، المحمود في ملإ السماء والأرض ، صاحب اللواء المنشور يوم النّشور ، والمؤتمن على سرّ الكتاب المسطور ، ومخرج الناس من الظّلمات إلى النور ، المؤيّد بكفاية اللّه وعصمته ، الموفور حظّه من عنايته ونعمته ، الظّلّ الخفّاق على أمّته ، من لو حازت الشمس بعض كماله ما عدمت إشراقا ، أو كان للآباء رحمة قلبه ذابت نفوسهم إشفاقا ، فائدة الكون ومعناه ، وسرّ الوجود الذي بهر الوجود سناه « 1 » ، وصفيّ حضرة القدس الذي لا ينام قلبه إذا نامت عيناه ، البيرق « 2 » الذي سبقت له البشرى ، ورأى من آيات ربّه الكبرى ، ونزل عليه « 3 » سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى [ سورة الإسراء ، الآية : 1 ] من الأنوار من عنصر « 4 » نوره مستمدّة ، والآثار تخلق « 5 » وآثاره مستجدّة ، من طوي بساط الوحي لفقده ، وسدّ باب الرسالة والنّبوّة من بعده ، وأوتي جوامع الكلم فوقفت البلغاء حسرى دون حدّه ، الذي انتقل في الغرر الكريمة نوره ، وأضاءت لميلاده مصانع الشام وقصوره ، وطفقت الملائكة تجيئه وفودها وتزوره ، وأخبرت الكتب المنزّلة على الأنبياء بأسمائه وصفاته ، وأخذ عهد الإيمان به على من اتّصلت بمبعثه منهم أيام حياته ، المفزع الأمنع يوم الفزع الأكبر ، والسّند المعتمد عليه في أهوال المحشر ، ذو المعجزات التي أثبتتها المشاهدة والحسّ ، وأقرّ بها الجنّ والإنس ، من جماد يتكلّم ، وجذع لفراقه يتألّم ، وقمر له ينشقّ ، وحجر يشهد أنّ ما جاء به هو الحقّ ، وشمس بدعائه عن مسيرها تحبس ، وماء من بين أصابعه يتبجّس « 6 » ، وغمام باستسقائه يصوب ،

--> ( 1 ) سناه : نوره . ( 2 ) في ب « البشير » . ( 3 ) في ب « ونزل فيه » . ( 4 ) العنصر : الأصل . ( 5 ) تخلق : تبلى . وتتلف . ( 6 ) يتبجس : يتفجر . وفي التنزيل العزيز أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [ الأعراف : 160 ] .