أحمد بن محمد المقري التلمساني
69
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وطويّ « 1 » بصق في أجاجها فأصبح ماؤها وهو العذب المشروب ، المخصوص بمناقب الكمال وكمال المناقب ، المسمّى بالحاشر العاقب ، ذي المجد البعيد المرامي والمراقب ، أكرم من رفعت إليه وسيلة المعترف المغترب ، ونجحت لديه قربة البعيد والمقترب « 2 » ، سيد الرّسل محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب ، الذي فاز بطاعته المحسنون ، واستنقذ بشفاعته المذنبون ، وسعد باتّباعه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، صلّى اللّه عليه وسلم ما لمع برق ، وهمع ودق « 3 » ، وطلعت شمس ، ونسخ اليوم أمس : « من عتيق شفاعته ، وعبد طاعته ، المعتصم بسببه ، المؤمن بالله ثم به ، المستشفي بذكره كلّما تألّم ، المفتتح بالصلاة عليه كلّما تكلّم ، الذي إن ذكر تمثّل طلوعه بين أصحابه وآله ، وإن هبّ النسيم العاطر وجد فيه طيب خلاله ، وإن سمع الأذان تذكّر صوت بلاله ، وإن ذكر القرآن استشعر تردّد جبريل بين معاهده وخلاله ، لاثم تربه ، ومؤمّل قربه ، ورهين طاعته وحبّه ، المتوسّل به إلى رضا اللّه ربّه ، يوسف بن إسماعيل بن نصر : « كتبه إليك يا رسول اللّه والدمع ماح ، وخيل الوجد ذات جماح ، عن شوق يزداد كلّما نقص الصّبر ، وانكسار لا يتاح له إلّا بدنوّ مزارك الجبر ، وكيف لا يعيي مشوقك الأمر ، وتوطأ على كبده الجمر ، وقد مطلت الأيام بالقدوم على تربك المقدّسة اللحد ، ووعدت الآمال ودانت بإخلاف الوعد ، وانصرفت الرفاق والعين بنور ضريحك ما اكتحلت ، والركائب إليك ما رحلت ، والعزائم قالت وما فعلت ، والنواظر في تلك المشاهد الكريمة لم تسرح ، وطيور الآمال عن وكور « 4 » العجز لم تبرح ، فيا لها من معاهد فاز من حيّاها ، ومشاهد ما أعطر ريّاها « 5 » ! بلاد نيطت « 6 » بها عليك التمائم ، وأشرقت بنورك منها النجود والتهائم ، ونزل في حجراتها عليك الملك ، وانجلى بضياء فرقانك فيها الحلك « 7 » ، مدارس الآيات والسّور ، ومطالع المعجزات السافرة الغرر ، حيث قضيت الفروض وحتمت ، وافتتحت سورة الرحمن وختمت ، وابتدئت الملّة الحنيفية وتمّمت ، ونسخت الآيات وأحكمت :
--> ( 1 ) الطوي : البئر . والأجاج : الماء المالح . ( 2 ) في ب « البعيد المقترب » بسقوط الواو . ( 3 ) همع : هطل وتدفق . والودق : المطر . ( 4 ) الوكور : جمع وكر وهو عش الطائر . ( 5 ) الريا : الرائحة الطيبة . ( 6 ) نيطت : علقت . والتمائم : جمع تميمة ، وهي العوذة والرقية . ( 7 ) الحلك : الظلام الشديد .