أحمد بن محمد المقري التلمساني
6
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
من العدد العظيم الطاقة ، الشديد الإضاقة ، نسبة الشعرة من جلد الناقة ، وبالله نستدفع المكروه ، وإليه نمدّ الأيدي ونصرف الوجوه ، وسألت منه - أيّده اللّه تعالى ! - القنوع بما يسّره الوقت ، ممّا لا يناله المقت ، والذهاب بهذا الغرض لما يليق بالترب والسّنّ ، ويؤمن من اعتراض الإنس والجنّ ، وما كنت ممّن آثر على الجدّ الهزل ، واعتاض « 1 » من الغزل الرقيق الغزل بشيمة الجزل ، ولا آنف من ذكر الهوى بعد أن خضت غماره ، واجتنيت ثماره ، وأقمت مناسكه ورميت جماره ، وما أبرّئ نفسي إنّ النفس لأمّارة ، فالهوى أوّل تميمة قلّدتني الداية ، والترب التي عرفتها في البداية ، وأنا الذي عن عروته نبت « 2 » ، وبعثت إلى الرصافة لأرقّ فذبت « 3 » ، إلى أن تبيّن الرشد من الغي ، وصار النشر إلى الطي ، وتصايح ولدان الحيّ ، كذلك كنتم من قبل فمنّ اللّه عليكم كما منّ عليّ : [ الطويل ] جزى اللّه عني زاجر الشيب خير ما * جزى ناصحا فازت يداه بخيره « 4 » ألفت طريق الحبّ حتى إذا انتهى * تعوّضت حبّ اللّه عن حبّ غيره حال السواد بحال الفؤاد ، وصوّح المرعى فانقطعت الرّوّاد ، ونهاني ازورار خيال الزوراء ، والتفات عاذل الشيب عن المقلة الحوراء ، وكيف الأمان ، وقد طلع منه النذير العريان ، يدلّ على الخبر بخبره ، وينذر بهاذم اللّذّات على أثره ، وللّه درّ القائل : [ المتقارب ] دعتني عيناك نحو الصّبا * دعاء يردّد في كلّ ساعة فلو لا ، وحقّك ، عذر المشيب * لقلت لعينيك : سمعا وطاعه ولولا أن طيف هذا الكتاب الوارد طرق مضاجعي « 5 » وقد كاد يبدو الحاجب ، ويضيع من الفرض الواجب ، ويعجب من نوم الغفلة العاجب ، لجريت معه في ميدانه ، وعقدت بناني ببنانه ، وتركت شاني وإن رغم الشاني « 6 » لشانه ، وقلت معتذرا عن التهويم في بعض أحيانه : [ الكامل ] أهلا بطيفك زائرا أو عائدا * تفديك نفسي غائبا أو شاهدا
--> ( 1 ) اعتاض : استبدل . ( 2 ) نبت : رجعت إليه مرة بعد أخرى . وعروته : أراد عروة بن حذام أحد الشعراء الغزليين . ( 3 ) الشاعر علي بن الجهم الذي قيل فيه : بعث إلى الرصافة ليرق فذاب . انظر ترجمة العبدي للمؤلف في الجزء الثامن . ( 4 ) في ب « فازت يداي بخيره » . ( 5 ) في ب « طرق مضجعي » . ( 6 ) رغم : لصق بالرغام وهو التراب . والشاني : الكاره المبغض .