أحمد بن محمد المقري التلمساني

55

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

« أمّا بعد حمد اللّه تعالى الذي جعل الشكر على المكرمات وقفا ، ونهج منه بإزائها سبيلا لا تلتبس ولا تخفى ، وعقد بينه وبين المزيد سببا وحلفا ، وجعل المودّة في ذاته ممّا يقرّب إليه زلفى ، مربح تجارة من قصد وجهه بعمله حتى يرى الشيء ضعفا ، وناصر هذه الجزيرة من أوليائه الكرام السيرة بمن يوسعها فضلا وعطفا ، ومدني ثمار الآمال لتتمتع « 1 » بها اجتناء وقطفا ، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد النبيّ العربي الكريم ، الرؤوف الرحيم ، الذي مدّ من الرحمة على الأمّة سجفا « 2 » ، وملأ قلوبها تعاطفا وتعارفا ولطفا ، القائل « من أيقن بالخلف جاد بالعطيّة » ووعد من عامل اللّه تعالى بربح المقاصد السنيّة ، وعدا لا يجد خلفا ، والرضا عن آله وأصحابه الذين كانوا من بعده للإسلام كهفا ، وعلى أهله في الهواجر ظلّا ملتفّا ، غيوث النّدى كلّما شاموا سماحا وليوث العدى كلّما شهدوا زحفا ، والدعاء لمقام أخوّتكم الأسعد بالنصر الذي يكف من عدوان الكفر كفّا ، والمجد الذي لا يغادر كتابه من المفاخر التي ترك الأول للآخر حرفا ، وإلى هذا - أيّدكم اللّه بنصر من عنده ، وحكم لملككم الأسمى باتّصال سعده ، وأنجز في ظهوره على من عاند أمره سابق وعده ! - فإننا نقرّر لدى مقامكم وإن كان الغنيّ بأصالة عقله ، عن اجتلاء الشاهد ونقله ، وجلاء البيان وصقله ، أنّ الهدايا وإن لم تحل العين منها كما حلت ، أو تناولها الاستنزار فما نبهت في لحظ الاعتبار ولا جلّت ، أو كانت زيفا كلّما أغري بها الاختبار قلّت ، لا بدّ أن تترك في النفوس ميلا ، وأن تستدعي من حسن الجزاء كيلا ، وأن تنال من جانب التراحم والتعاطف نيلا ، وأيّ دليل أوضح محجّة ، وأبين حجّة ، من قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « تهادوا تحابوا » من غير تبيين مقدار ، ولا إعمال اعتبار ، ولا تفرقة بين لجين ولا نضار « 3 » ؟ فكيف إذا كانت الهدية فلذة الكبد التي لا يلذّ العيش بعد فراقها ، ولا تضيء ظلم الجوانح إلّا بطلوع شمسها وإشراقها ، وجمع الشمل الذي هو أقصى آمال النفوس الآلفة ، والبواطن المصاحبة للحنين المحالفة ، لا سيما إذا اقتعدت محلّ الهنا ، بالفتح الرائق السّنا « 4 » ، وحفّت بها من خلفها وأمامها صنائع البرّ وقومة الاعتناء ، فهنالك تفخر ألسن الثناء ، وتتطابق أعلام الشكر السامية البناء . وإننا ورد علينا كتابكم الذي سطّره البرّ وأملاه ، وكنفه « 5 » اللحظ وتولّاه ، ووشّحه البيان وحلّاه ، مهنئا بما منح اللّه جلّ جلاله من ردّ الحقّ ، وتعيين الجمع ورفع الفرق ، وتطويق الأمان وأمان الطوق ، وإسعاد السّعد ، وبلوغ القصد ، وقطع دابر من جحد نعمة الأب والجدّ ، وسلّ سيف البغي دامي الحدّ ، والحمد للّه تعالى حمدا يلهمه

--> ( 1 ) في ب « فتتمتع » . ( 2 ) السجف : الستر . ( 3 ) اللجين : الفضة . والنضار : الذهب . ( 4 ) في ب « الهناء ، النساء » بالهمزة . ( 5 ) كنفه : أحاط به .