أحمد بن محمد المقري التلمساني

50

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

تعالى ، ولا زائد بفضل اللّه تعالى الذي لطف وجبر ، وأظهر في الإقالة وحسن الإدالة « 1 » العبر ، ممّن كتب اللّه تعالى له العقبى لما صبر ، إلّا الخبر الذي كسا الأعطاف الحبر ، والصنع الذي صدّق خبره الخبر ، والحمد للّه تعالى كثيرا كما هو أهله فلا فضل إلّا فضله ، ولمكانتكم عندنا المحلّ الذي قررت شهرة فضلكم قواعده ، وأعلت مصاعده ، وأثبت التواتر شواهده ، إذ لا نزال نتحف بسيركم الذي « 2 » في التدبيرات يقتفى ، وعلم يسترشد به إذا العلم اختفى ، والسبيل عفا « 3 » ، وإنّ تلك الدولة بكم استقام أودها ، وقامت والحمد للّه عمدها ، وإنكم رعيتم في البنين حقوق آبائها ، وحفظتم عليها ميراث عليائها ، ولو لم تتّصل بنا أنباؤكم الحميدة ، وآراؤكم السديدة ، بما يفيد العلم بفضل ذاتكم ، ويغري قوى الاستحسان بصفاتكم ، لغبطنا بمخاطبتكم ومفاتحتكم ، ما نجده من الميل لكم طبعا وجبلّة ، من غيرين نعتبر سببا أو علّة ، فالتعارف بين الأرواح لا ينكر ، والحديث الكريم يؤيّد من ذلك ما ينقل ويذكر . وبحسب ذلك نطلعكم على غريب ما جرى به في ملكنا القدر ، وحيث بلغ الورد وكيف كان الصّدر ، وربما اتّصلت بكم الحادثة التي أكفأها على دار ملكنا من لم يعرف غير نعمتها غاذيا ، ولا برح في جوانب إحسانها رائحا وغاديا ، يتيم حجرها الكافل ، ورضيع درّها « 4 » الحافل ، الشقي الخاسر ، الخائن الغادر ، محمد بن إسماعيل بن محمد المستجير بنسبنا من لؤم غدره ، الخفيّة عنا حيل مكره لخمول قدره ، إذ دعاه محتوم الحين ليهلك إلى أن يهلك ، وسوّلت له نفسه الأمّارة بالسوء أن يملّك أخانا الخاسر ثم يملك ، وسبحان الذي يقول يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [ سورة هود ، الآية : 46 ] وكيف تمّ له ما أبرمه من تسوّر الأسوار ، واقتحام البوار « 5 » ، وتملك الدار ، والاستيلاء على قطب المدار ، وأننا كنفتنا عصمة اللّه تعالى بمتحوّلنا الذي كان به ليلتئذ محلّ ثوائنا ، وكفّت « 6 » القدرة الإلهية أكفّ أعدائنا ، وخلصنا غلابا بحال انفراد الأمر « 7 » عناية ونعم الرفيق « 8 » ، وصدق اللّجأ إلى رحمة اللّه تعالى التي ساحتها عن مثلنا لا تضيق ، فمهما تنكّر الزمان أو تفرّق الفريق ، وشرذمة الغدر تأخذ علينا كلّ فجّ عميق ، حتى أوينا من مدينة وادي آش إلى الجبل العاصم ، والحجّة المرغمة أنف المخاصم ، ثم أجزنا البحر بعد معاناة خطوب ، وتجهّم من الدهر وقطوب ، وبلا اللّه هذا الوطن بمن لا يرجو للّه وقارا ، ولا يألو شعائره المعظمة احتقارا ،

--> ( 1 ) الإدالة : أي الغلبة . ( 2 ) في ب « التي » . ( 3 ) السبيل : الطريق . وعفا : انمحت ودرست معالمه . ( 4 ) الدرّ : الثدي أو لبنه . ( 5 ) البوار : الهلاك . ( 6 ) كفت : منعت . ( 7 ) في ب « انفراد الأمن » . ( 8 ) في ب « عناية اللّه ونعم الرفيق » .