أحمد بن محمد المقري التلمساني

51

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

فأضرمه نارا ، وجلّل وجوه وجوهه خزيا وعارا ، حتى هتك الباطل حماه ، وغيّر اسمه ومسمّاه ، وبدّد « 1 » حاميته المتخيّرة وشذّبها ، وسخّم دواوينه « 2 » التي محّصها الترتيب والتجريب وهذّبها ، وأهلك نفوسها وأموالها ، وأساء لولا تدارك اللّه تعالى أحوالها . ولما تأذن جلّ جلاله في إقالة العثار ، ودرك الثار ، وأنشأت نواسم رضاه إدامة الاستغفار ، ورأينا قلادة الإسلام قد آن انتثارها ، والملّة الحنيفية كادت تذهب آثارها ، ومسائل الخلاف يتعدّد مثارها ، وجعلت الملتان نحونا تشير ، والملك يأمل أن يوافيه بقدومنا البشير ، تحركنا حركة خفيفة تشعر أنها حركة الفتح ، ونهضنا نبتدر ما كتب اللّه تعالى من المنح ، وقد امتعض لنا الكون بما حمل ، واستخدم الفلك نفسه بمشيئته تعالى واكتمل ، وكاد يقرب لقرى ضيفنا الثور والحمل ، وظاهرنا محلّ أخينا السلطان الكبير الرفيع المعظم المقدس أبي سالم الذي كان وطنه مأوى الجنوح ، ومهبّ النصر الممنوح - رحمة اللّه تعالى عليه ! - مظاهرة مثله من الملوك الأعاظم ، وختم الجميل بالجميل والأعمال بالخواتم ، وأنف حتى عدوّ الدين لنعمتنا المكفورة ، وحقوقنا المحجوبة المستورة ، فأصبح بعد العدوّ حبيبا ، وعاد بعد الإباية منيبا « 3 » ، وسخّر أساطيله تحضيضا على الإجازة وترغيبا ، واستقبلنا البلاد وبحر البشر يزخر موجه ، وملك الإسلام قد خرّ على الحضيض أوجه ، والروم مستولية على الثغور ، وقد ساءت ظنون المؤمنين بالعقبى وللّه عاقبة الأمور ، والخبيث الغادر الذي كان يموّه بالإقدام قد ظهر كذب دعواه ، وهان مثواه « 4 » ، وتورّط في أشراك المندمة تورّط مثله ممّن اتّبع هواه ، وجحد نعمة مولاه ، فلو لا أنّ اللّه عزّ وجلّ تدارك جزيرة الأندلس بركابنا ، وعاجل أوارها بانسكابنا ، لكانت القاضية ، ولم تر لها من بعد تلك الريح العقيم من باقية ، لكنّا بفضل اللّه تعالى رفعنا عنها وطأة العدوّ وقد دنا بكلكل « 5 » ، وابتززناه منها أيّ مشرب ومأكل ، واعتززنا عليه بالله تعالى الذي يعزّ ويذلّ ، ويهدي ويضلّ ، فلم نسامحه في شرط يجرّ غضاضة ، ولا يخلّف في القلوب مضاضة ، وخضنا بحر الهول ، وبرئنا إلى اللّه تعالى ربّنا عن القوّة والحول ، وظهرت للمسلمين ثمرة سريرتنا ، وما بذلنا في مصانعة العدوّ من الإجهاز عليهم من حسن سيرتنا ، فقويت فينا أطماعهم ، وانعقد على التحرّم بنا إجماعهم . وقصدنا مالقة بعد أن انثالت الجهة الغربية ، وأذعنت المعاقل الأبيّة ، فيسّر اللّه تعالى فتحها ، وهيّأ منحها ، ثم توالت البيعات ، وصرحت بمآذن البلاد الدّعاة ، واضطرب أمر

--> ( 1 ) بدّد : شتت ، وفرق . ( 2 ) سخم دواوينه : سود وجوهها . ( 3 ) الإباية : المنع . منيبا : راجعا . ( 4 ) مثواه : مقامه ، منزله . ( 5 ) الكلكل : الثقيل .