أحمد بن محمد المقري التلمساني
34
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وأخبار ، ولسان مقال كقوله سبحانه وتعالى : وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ [ سورة إبراهيم ، الآية : 45 ] وهو سبيل اللّه تعالى التي بعث بها النبيين ، وضمن فصولها الكتاب المبين ، والسّوط الذي يحمل على الأوبة ، ويسوق ذود « 1 » المتطهرين إلى غدير التّوبة ، ونحن نجعله هينمة بين يدي الفراسة ، لتزكية النفوس إن صدق حكم الفراسة ، فمن ذلك ما صدر عني على لسان واعظ : « الحمد للّه الولي الحميد ، المبدىء المعيد ، البعيد في قربه من العبيد ، القريب في بعده فهو أقرب من حبل الوريد « 2 » ، محيي ربوع العارفين بتحيّات حياة التوحيد ، ومفني « 3 » نفوس الزاهدين بكنوز احتقار الافتقار إلى العرض الزهيد ، ومخلّص خواطر المحقّقين من سجون دجون التقييد ، إلى فسح التجريد ، نحمده وله المنتظمة درره في سلوك الدوام وسموط التأبيد ، حمد من نزّه أحكام وحدانيته ، وأعلام فردانيته ، عن مرابط التقييد ، ومخابط الطّبع البليد ، ونشكره شكر من افتتح بشكره أبواب المزيد ، ونشهد أنه اللّه الذي لا إله إلّا هو شهادة نتخطّى بها معالم الخلق إلى حضرة الحقّ على كبد التفريد ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله قلادة الجيد المجيد ، وهلال العيد ، وفذلكة الحساب وبيت القصيد ، المخصوص بمنشور الإدلال ، وإقطاع الكمال ، بين مقام المراد ومقام المريد ، الذي جعله السبب الأوصل في نجاة الناجي وسعادة السعيد ، وخاطب الخلائق على لسانه الصادق بحجتي الوعد والوعيد ، فكان ممّا أوحي به إليه ، أنزل الملك به عليه ، من الذكر الحميد ، ليأخذ بالحجز والأطواق من العذاب الشديد وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ سورة ق ، الآية : 16 ] إلى قوله حَدِيدٌ صلّى اللّه عليه وعلى آله صلاة تقوم ببعض حقّه الأكيد ، وتسري إلى تربته الزكية من ظهور المواجد الجائية على البريد : [ الطويل ] قعدت لتذكير ولو كنت منصفا * لذكّرت نفسي فهي أحوج للذكرى إذا لم يكن مني لنفسي واعظ * فيا ليت شعري كيف أفعل في الأخرى [ موعظة من إنشاء لسان الدين ] آه ! أيّ وعظ بعد وعظ اللّه تعالى يا أحبابنا يسمع ؟ وفي ما ذا وقد تبيّن الرشد من الغيّ يطمع ؟ يا من يعطي ويمنع ، إذ لم تقم الصنيعة فماذا نصنع ؟ اجمعنا بقلوبنا يا من يفرّق ويجمع ، وليّن حديدها بنار خشيتك فقد استعاذ نبيّك صلّى اللّه عليه وسلم من قلب لا يخشع ، ومن عين لا
--> ( 1 ) الذود : الإبل من ثلاثة إلى تسعة . ( 2 ) حبل الوريد : عرق في العنق . وفي التنزيل العزيز وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] . ( 3 ) في ب « ومغني » .