أحمد بن محمد المقري التلمساني
35
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
تدمع ، اعلموا - رحمكم اللّه ! - أنّ الحكمة ضالة المؤمن يأخذها من الأقوال والأحوال ، ومن الجماد والحيوان ، وما أملاه الملوان « 1 » ، فإنّ الحقّ نور لا يضره أن صدر « 2 » من الخامل ، ولا يقصر بمحموله احتقار الحامل ، وأنتم تدرون أنكم في أطوار سفر لا تستقرّ لها دون الغاية رحلة ، ولا تتأتّى معها إقامة ولا مهلة ، من الأصلاب ، إلى الأرحام ، إلى الوجود ، إلى القبور ، إلى النشور « 3 » ، إلى إحدى داري البقاء ، أفي اللّه شكّ ؟ فلو أبصرتم مسافرا في البرية يبني ويفرش ، ويمهّد « 4 » ويعرش ، ألم تكونوا تضحكون من جهله ، وتعجبون من ركاكة عقله ؟ وو اللّه ما أموالكم ولا أولادكم وشواغلكم عن اللّه التي فيها اجتهادكم إلّا بقاء سفر في قفر « 5 » ، أو إعراس في ليلة نفر « 6 » ، كأنكم بها مطرحة تعبر فيها المواشي ، وتنبو العيون عن خبرها المتلاشي إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [ سورة التغابن ، الآية : 15 ] ما بعد المقيل إلّا الرحيل ، ولا بعد الرحيل إلّا المنزل الكريم أو المنزل الوبيل ، وإنكم تستقبلون أهوالا سكرات الموت بواكر حسابها ، وعتب أبوابها . فلو كشف الغطاء عن ذرّة منها لذهلت العقول وطاشت الألباب ، وما كل حقيقة يشرحها الكلام يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [ سورة فاطر ، الآية : 5 ] أفلا أعددتم لهذه الورطة حيلة ، وأظهرتم للاهتمام بها مخيلة ؟ أتعويلا على عفوه مع المقاطعة وهو القائل في مقام التهديد إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [ سورة إبراهيم ، الآية : 7 ] ؟ أأمنا من مكره مع المنابذة فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ [ سورة الأعراف ، الآية : 99 ] ؟ أطعما في رحمته مع المخالفة وهو يقول فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [ سورة الأعراف ، الآية : 156 ] ؟ أمشاقة ومعاندة وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [ سورة الحشر ، الآية : 4 ] ؟ أشكا في اللّه دفتعالوا نعيد الحساب ، ونقرّر العقد ونتّصف بدعوة الحقّ أو غيرها ، من اليوم تفقد عقد العقائد عند التساهل بالوعيد ، فالعامي يدمي الأصبع الوجعة ، والعارف يضمد لها مبدأ العصب : [ الخفيف ]
--> ( 1 ) الملوان : الليل والنهار . ( 2 ) في ب « أن يصدر » . ( 3 ) النشور : يوم البعث من القبور . ( 4 ) يمهد : يذلل ويعبد . ( 5 ) القفر : الأرض الوحشة . ( 6 ) الإعراس : النزول ليلا . والنفر : التفرق والانتشار . ويوم النفر : اليوم الذي ينفر الحجاج فيه من منى إلى مكة .