أحمد بن محمد المقري التلمساني
33
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أذانه على نوّام أهل الكهف ، وقد ضرب نوم الغفلة على آذانهم ، حتى يحول بينهم وبين أذانهم ، ويركبهم ظهر الرياضة حتى « 1 » تلحقهم بالمجذوبين من إخوانهم ، ولمّا كان حبّ الدنيا هو المانع عن الشروع في إطلاق العمل ، والقاطع به بعده لم يجد أساة خبل الهوى وجنون الكسل أنجع من رقى « 2 » العذل والتأنيب ، وتقبيح المحبوب ، سيما إذا انزعجت نبال نبله عن حنيات ضلوع الصدق ، وقال بعضهم : الكلام إذا خرج من القلب دخل القلب : [ الخفيف ] أوقد النار من رسالة ليلى * واحذر السّيل بعدها من دموعي ولا تعدل الوعظ البليغ باللسان الفصيح ، والقلب القريح ، فإذا رأيت الأرض قد اهتزّت وربت « 3 » ، وهضاب القلوب القاسية قد تقلّبت ، فشمّر للغراس والزراع عن الذراع ، واغتنم السراع والإسراع : [ الوافر ] إذا هبّت رياحك فاغتنمها * فإنّ لكلّ خافقة سكونا « 4 » [ الكامل ] حفّر لها ماء يريها بدأة * واضمن لها حوضا وإن لم تحفر واربأ بنفسك عن تسامح بائع * واغنم إذا سامتك شهوة مشتري قالوا : الوعظ يضرب وجه النفس عن التثبّط « 5 » في بساط اللّذّات ، وينقل خطراتها « 6 » عن الخطو في ملعب الخطيئات ، ويمثل لها الصبر عيانا ، ويبين العواقب المحجوبة بيانا ، وينشئ سحاب الحزن في أجواف أجزائها ، ويذكرها بمآلها وانتهائها ، ويعرض عليها مصارع فنائها ، وخراب بنائها ، وفراق حبائبها وأبنائها ، عند نزول هاذم اللّذّات « 7 » بفنائها ، فترجع إلى اللّه تعالى بحكم الاضطرار أفكارها ، وتخشع من خيفة اللّه تعالى وجلاله أبصارها . والوعظ يكون بلسانين ، ويوجد فنين : لسان حال ، ولسان مقال ، وربما كان لسان الحال أبلغ ، وهو يسمع من القبور الموحشة ، والقصور الخالية ، والعظام البالية ، وفيه حكايات
--> ( 1 ) في ب « الرياضة التي تلحقهم » . ( 2 ) رقى : جمع رقية ، وهي العوذة والتميمة . ( 3 ) هذا من قوله تعالى : فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [ الحج : 5 ] . ( 4 ) في ب « فإن لكل عاصفة سكونا » . ( 5 ) التثبط : مصدر ثبط : حمله على الصعود والتهاون : فتثبط : أي تقاعد . ( 6 ) في ب « خطواتها » . ( 7 ) هاذم اللذات : هو الموت .