أحمد بن محمد المقري التلمساني
27
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
يا غايتي ، ولكلّ شيء غاية ، * والحبّ فيه تأخّر وتقدّم قل لي بأيّ وسيلة يحظى بما * يرجوه غيري من رضاك وأحرم [ من كلام لسان الدين في عدد فرق الاعتزال ] ورقة : ولكلّ دائرة مفروضة ، وهالة حول قمر الحقّ معروضة ، تعود الخطوط من محيطها المسدّد ، إلى مركزها المحدّد ، فالفيلسوف يروم التشبّت بالعلّة الأولى ، ويعني بها ذات الحقّ ، أو أن يتّحد بالثانية ، وهي مرآة وجه الحقّ ، والإشراقيّ يروم التّجوهر بنور الأنوار المعبّر عنه بالحقّ ، والاتّصال به إمّا بواسطة من الحقّ أو بغير واسطة من الحقّ ؛ والحكيم أن يؤديه فكره إلى الحقّ ، ثم يفنى في الحقّ ، ثم يبقى بالحقّ ، والمتشرّع أن يجنّ « 1 » في جنة الحقّ ، ويحصل على جوار الحقّ ، وينظر إلى جوار الحقّ ؛ وصاحب الوحدة المطلقة أن يكون المتفرّق عين الحقّ ، فسبحان الحقّ ، المعبود بالحقّ ، الموجد الجمع في الفرق ! لا إله إلّا هو . وزيد في هذا المحض الذي كثر في قربه الدّعداع « 2 » ، وطال على الرؤوس منه الصّداع ، ما تفرّد له المقالة المختصرة ، والعناية الميسّرة ، بحول من لا حول ولا قوّة إلّا به . انتهى . وقال رحمه اللّه تعالى في عدّ ما عدد من فرق الاعتزال ما نصّه : [ الكامل ] والحبّ حرّكهم لكلّ جدال * والحبّ أقحمهم على الأهوال « 3 » والحبّ قاطع بينهم وأضلّهم * عن نيل ما راموه كلّ ضلال والحبّ أنشأ فيهم عصبية * بالقيل أضرم نارها والقال وإنما استكثرنا من ذكرهم عبرة لمن تأمّل حركات هذا الفراش « 4 » المختلف الآراء عن ذبال « 5 » الحقّ ، يبتغون إليه الوسيلة ، قوم بالطاعة ، وقوم بالمعصية ، وما منهم إلّا مدّع في المحبّة ، متهالك ، حريص على السعادة بزعمه وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ [ سورة الغاشية ، الآية : 2 و 3 ] ممّن قصد الحقّ فأخطأه ، وأراد الصواب فضلّ عنه ، واشتهر بالحكمة بعد في الملّة الإسلامية جماعة بالمشرق والأندلس ، فمن المشارقة : أبو الفرج « 6 » ، ويعقوب الكندي ،
--> ( 1 ) أن يجن في جنة الحق : كناية عن أنه ينبت ويزهر . وتقول : جن النبت إذا طال والتفّ . ( 2 ) الدعداع : العدو فيه بطء والتواء . ( 3 ) أقحمهم : زجهم ودفعهم ، والهمزة للتعدية والأصل : قحم . ( 4 ) الفراش : جمع فراشة وهي حشرة تلقي بنفسها بالنار فتحترق ، ومن قولهم : « مثل الفراش على المصباح ينتحر » . ( 5 ) الذبال : جمع ذبالة ، وهي كل ما يستضاء به . ( 6 ) أبو الفرج هو عبد اللّه بن الطيب .