أحمد بن محمد المقري التلمساني
18
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
فلاحتنا لها القدح المعلّى « 1 » * وسرحتنا « 2 » الضمينة للنجاح ألست ترى منادي الخمس نادى * بمختلف الجهات أو النواحي يردّد في الأذان لكلّ واع * على الآذان حيّ على الفلاح وهذا طائر على الشجرة صادح ، ولا حق كادح ، ومعتذر إن قدح قادح ، وتعارض هاج ومادح . قال المؤلف : ولا بدّ لنا من دريّ على صادح « 3 » هذه الأفنان ، وشاد يهيج أشجان الجنان ، ويثير شجو الرأفة والحنان ، ويبين مجال الضرورة لذوي الاتّصاف ، بكرم الأوصاف ، والناظرين إلى الهنات بعيون الإنصاف ، فيرحم من قد كان شره النّقد ، ويعذر من تشوّق « 4 » لاستضعاف هذا القصد ، والأعذار التي تقرر عنّا هذا الطائر عديدة ، ومبدئة في الصدق معيدة ، وقريبة من الحقّ لا بعيدة ، فمنها أنّ هذا الفرض ، اليوم بأكثر الأرض ، ميدان عدم فيه ولا حول ولا قوّة إلّا بالله من بخيل « 5 » كما يحبّ جوادا ، ونفير لا يجيبه إلّا من يكثر سوادا ، قد طمست الأعلام ، وسقط الحمد والملام ، وما لجرح بميت إيلام ، فمدلول هذا الفن بهذه التخوم عنقاء مغرب « 6 » ، وإكسير يحدث عنه غير واصل ولا مجرّب ، إنما يرجع فيه إلى كتب مقفلة ، وأغراض مغفلة ، وما عسى أن يعوّل المسكين مثلي على قاصر إدراكه ، مع اقتسام باله واشتراكه ؟ قصّر العلم والعمل ، فاختلط المرعيّ والهمل ، وأخفق المسعى وخاب الأمل ، ومنها شواغل الدنيا التي اختطفت من المكاتب ، وموّهت بالمراتب ، ولقّبت بالوزير والكاتب ، وأقامت العبد الذي لا يملك شيئا مقام العاتب ، ومن كان بهذه المثابة وإن عدّ يقظا حازما ، ونحريرا عالما ، فإنما هو غريق ، وتائه لا يبدو له طريق ، ولا ينساغ له ريق ، ولا يطفأ ببرد اليقين منه حريق ، ولا يربع عليه من قصاد اللّه تعالى فريق ، ونستغفر اللّه ! فالذي ألهم لهذه العيوب ، يتكفّل بإصلاح القلوب ، ومكاشفة الغيوب ، وإن كانت النفوس للحقّ جاحدة ، فما أمري إلّا واحدة : [ الكامل ] لا تعجبنّ لطالب نال العلا * كهلا وأخفض في الزمان الأوّل فالخمر تحكم في العقول مسنّة * وتداس أوّل عصرها بالأرجل
--> ( 1 ) القدح : جمع قداح وأقداح وهو سهم الميسر ، والقدح المعلى : أكبر أقداح الميسر نصيبا . ( 2 ) السرحة : الشجرة العظيمة . ( 3 ) في ب « صادح على هذه الأقنان » . ( 4 ) في ب « تشوف » . ( 5 ) في ب « يجيل » . ( 6 ) طائر لا وجود له ، كان العرب يتوهمون وجوده . انظر الكلام عنه في « حياة الحيوان » للدميري .