أحمد بن محمد المقري التلمساني

19

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

ومنها الاشتغال بالهذر ، عن العلم والنظر ، ومنذ أزمان عديدة ، ومدد مديدة ، فلم يبق ممّا حصّل « 1 » ، وإليه ممّا في الزمان القديم توصّل « 2 » ، إلّا رسم بلقع ، وسمل ما له مرقّع ، ومنها أنني لم أنتدب إلى هذا الوظيف الذي قلّ من يتعاطاه ، ويثير قطاه ، ويقتعد مطاه ، من تلقاء نفس جاهلة ببعد مداه ، ومطل جداه ، ومطالبة مدعيه بما كسبت منه يداه ، فلا يتجاوز طوره ولا يتعدّاه ، وإن طالب الحقّ من شرط وصوله ، سلب فصوله ، وحالة موته ، وانقطاع حسّه فضلا عن صوته ، لكني خضت على عدم السباحة غمرا ، وامتثلت مع سقوط الاستطاعة أمرا ، وجئت بما في وسعي انقيادا وامتثالا ، ومثلت مثالا ، فضرورتي بفضل اللّه تعالى مشروحة ، والدعوى من « 3 » كتفي مطروحة ، وعلى ذلك فقد علم الذي يعلم الأسرار ، ويقرّب الأبرار ، ويقيل العثار ، ويقبل الأعذار ، أنّ مدة الاشتغال به لم تجاوز شهرين اثنين ، بين كتب وكتم ، وابتداء وختم ، مع ما يتخلّل الزمان من حمل لو رمي به رضوى لتدعدع ، أو أنزل على ثبير « 4 » لخشع من خشية اللّه تعالى وتصدّع : مداراة عدو قد تكالب على الإسلام ، وسياسة سواد صم عن الملام ، وتعدّى حدود النّهى والأحلام ، وارتقاب هجوم جيش الآجال وراية الشّيب من الأعلام ، وقد أنذر بالفجر انقشاع الظلام ، وكاد يصعد الخطيب فينقطع الكلام « 5 » ، جعلت لنقله حصة من جنح الظلام الغاسق ، والليل الواسق « 6 » ، وعاطيت حميّاه نديم الغارق ، وتعرّضت لاقتناص خياله الطارق ، وسرقته من أيدي الشواغل ، والليل معين السارق ، ولم يعمل فيه عبد القيس نظرا معادا ، ولا أنجز من تصحيحه علم اللّه تعالى ميعادا ، إنما هو كراس يفرغ من تسويده رجراج الحبر ، مختلط الترب بالتبر « 7 » ، فيدفع ملوم الماسخ ، إلى يد الناسخ ، وكلفة المتثاقل ، إلى كفّ الناقل ، وتقذف صحيفته من الزبرة إلى الصاقل ، إذ كان الآمر - أيّده اللّه تعالى ونفعه - حريصا على تعجيل المعارضة ، ومتحرّيا سبيل الشرع في هذه المصارفة والمقارضة ، والجفن المشرق يعلن بالتبريح ، وينتظر مساعدة الريح ، فمن وقف عليه من فاضل أنار الصلة بصيرته ، وجبل على الإنصاف سيرته ، أو من كان من أهل اللّه الذي يعلم أن ما سوى اللّه تعالى ظلّ وفيء ، ويتحقّق معنى قوله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [ سورة آل عمران ، الآية : 128 ] ،

--> ( 1 ) في ب « بالبناء للمجهول » . ( 2 ) في ب « بالبناء للمجهول » . ( 3 ) في ب « عن كتفي » . ( 4 ) رضوى وثبير : جبلان . ( 5 ) من آداب الصلاة إذا صعد الخطيب المنبر امتنع الناس عن الكلام . ( 6 ) الليل الواسق : أراد الممطر . والظلام الغاسق : الحالك الشديد الظلمة . ( 7 ) التبر : ماء الذهب .