أحمد بن محمد المقري التلمساني

11

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

بكرة أقباسه صوالج الجنون ، وقاد الهوى أهله بحبل الهون ، وساقت فيه المنى للمنون ، حين نظرت النفوس من سفلى الجنبتين ، ورضيت الأثر عن العين ، وباعت الحقّ بالمين « 1 » ، ولم يحصل إلّا على خفّي حنين « 2 » ، وا رحمتا لعشاق الصور ، وسبّاق ملاعب الهوى والهور ، لقد كلفوا بالزخارف الحائنة الحائلة « 3 » ، والمحاسن الزائفة الزائلة ، وسلع الجبانة ، وبضائع الإهانة ، أزمان التمتّع بهم قصيرة ، والأنكاد عليهم مغيرة ، فتراهم ما بين طعين بعامل قدّ ، ومضرّج بدم خدّ ، وأسير ثغر قد أعوز فداؤه ، وسقيم طرف قد أعضل داؤه ، وما شئت من ليل يسهر ، ونداء به يجهر ، وجيوب تشقّ ، وبصائر تخطف أبصارها إذا لمع البرق ، ونواسم تحمل التحيّات ، وخلع أيك تتلقّى بخلع الأريحيات ، وربما اشتدّ الختل ، وأصابت النّبل فكان الخبل ، قلوب اشتغلت عن اللّه فشغلها اللّه بغيره ، وهب الحبّ الجسماني لا يبعث « 4 » عليه شهوة بهيمية ، ولا تدعو إليه قوّة وهمية ، أليست الداعية مرتفعة ، والباعثة منقطعة ، وصورة الحسن دائرة ، وأجزاؤه المتناظمة متناثرة ؟ أليس الجراب العنصري عائدا إلى أصله ؟ أليس الجنس مفارقا لفصله ؟ وللّه درّ علي رضي اللّه تعالى عنه ، وقد نظر إلى قدح الماء وقد أراد أن يشرب ، وعن الاعتبار أعرب ، فقال : كم فيك من خدّ أسيل ، وطرف كحيل ؟ فأوّاه مكررة مردّدة ، ووالهفاه معادة مجدّدة ، على قلب أصبح يقلّب كفّيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ، وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً [ سورة الكهف ، الآية : 42 ] وحسبنا مرارة الفراق ذلّا ، وفقد النقد قلّا ، والغفلة عن اللّه شقاء محتوما ، والكآبة على الفائت شوما : [ الخفيف ] صدّني عن حلاوة التشييع * اتّقائي مرارة التوديع لم يقم أنس ذا بوحشة هذا * فرأيت الصواب ترك الجميع وإن كانت الشهوة فأخسس بها داعية ، وإلى الفضيحة ساعية ، حسبك من حمار يعلن بنداء المحبّة نهاقه ، ويقذفه على السباق اهتياجه إلى السّفاد واشتياقه ، أسير خبال ، وصريع مبال ، أولى له ثم أولى لو تأمّل محاسن الجسوم ما أكذب رائدها المطري ، وأخبث زخرفها المغري ، وأقصر مدة استمتاعها ، وأكثر المساعي تحت قناعها : [ الطويل ] على وجه ميّ مسحة من ملاحة * وتحت الثياب العار لو كان باديا

--> ( 1 ) المين : الكذب . ( 2 ) قالوا في المثل لمن يبوء بالخيبة : رجع بخفي حنين . ( 3 ) كلفوا : أولعوا . والحائنة : الهالكة . والحائلة : المتحولة والمتغيرة . ( 4 ) في ب « لا تبعث » .