أحمد بن محمد المقري التلمساني

7

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وحزبه ، الذين ظاهروه في حياته على إقامة الحق الساطع الأنوار ، وخلفوه في أمّته قائمين بالعدل حامين للذّمار ، والدعاء لمحلّ أبينا والدكم المقدّس « 1 » قدس اللّه روحه ، وبرد ضريحه ، بالرحمة التي تتعهّد روضته التي هي أذكى من الروض المعطار « 2 » ، والرضوان الذي يتبوأ به مبوأ صدق في الملوك المجاهدين الأخيار ، ولمقامك الأعلى بسعادة المقدار ، وتمهيد السلطان وبلوغ الأوطار ، فإنّا كتبناه - كتب اللّه لكم عوائد النصر ، وربط على قلبكم بالصبر ! - من حمراء غرناطة حرسها اللّه تعالى عندما تحقّق لدينا النبأ الذي فتّ في الأعضاد ، وشبّ نار الأكباد « 3 » ، والحادث الذي هدّ أعظم الأطواد « 4 » ، وزلزل الأرض الراسية الأوتاد ، والواقع الذي لولا وجودكم لمحا رسم الأجواد ، وعطّل رسوم الجهاد ، وكسا الآفاق ثوب الحداد ، والخطب الذي ضاقت له الأرض بما رحبت ، وأمرّت الدنيا بما عذبت ، من وفاة محلّ أبينا أكبر ملوك المسلمين ، المجاهد في سبيل رب العالمين ، والدكم أتحفه « 5 » اللّه تعالى برود رضاه ، وجعل جنّته نزله ومثواه ! ونفعه بما أسلف من الأعمال الكريمة ، وما خلّده من الآثار العظيمة ! فإنّا للّه وإنا إليه راجعون تسليما لما قضاه ، ورضا بما أنفذه وأمضاه ، وعند اللّه نحتسب منه والدا شفيقا ، حانيا رفيقا ، لم يزل يولي الجميل قوله وفعله ، ويصل لنا من أسباب عنايته ما اقتضاه فضله ، وما هو أحق به وأهله . وكنّا طول حياته لم نجد أثرا لفقد الوالد ، لما أولانا من جميل العوائد ، وكرم المقاصد ، جزاه اللّه أحسن جزائه ! وأعاننا على توفية حقّه وأدائه ! ولمثل هذه المصيبة - ولا مثل لها - تظلم الأرجاء « 6 » ، ويضيق الفضاء ، وتبكيه مسوّمة « 7 » الجياد ، ومعالم الجهاد ، والسيوف في الأغماد ، وشتى العباد والبلاد ، فلا تسألوا كيف هو عندنا موقع هذا الخطب العظيم ، والحادث المقعد المقيم « 8 » ، والرزيّة « 9 » التي لا رزيّة مثلها ، والحادثة التي أصيبت بها الملّة وأهلها ، فوجدنا « 10 » لفقده يتضاعف مع الآناء ، ويتجدّد تذكار ما أسلف من أعمال الملوك الفضلاء ، ولكنه أمر حتم ، وقضاء من اللّه جزم ، وسبيل يسلك عليها الأول والآخر ، والآني والغابر « 11 » ، وليس إلّا التسليم ، لما حكم به الحكيم العليم ، ولمّا انتهى إلينا

--> ( 1 ) كلمة « المقدس » ساقطة من ب . ( 2 ) الروض المعطار : الشديد العطر ، الطيب الرائحة . ( 3 ) شب نار الأكباد : أوقدها وأججها . ( 4 ) الأطوار : الجبال . ( 5 ) في ب « ألحفه » . ( 6 ) الأرجاء : النواحي ، جمع رجا . ( 7 ) مسومة الجياد : الجياد المعلمة . ( 8 ) الحادث المقعد المقيم : أراد الحادث الشديد الذي يجعل المرء لا يستقر على حال . ( 9 ) الرزية : المصيبة . ( 10 ) الوجد : شدة الحزن . ( 11 ) أي الحاضر والماضي .