أحمد بن محمد المقري التلمساني

8

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

هذا النبأ الذي ملأ القلب حسرة والعين عبرة ، وتواترت « 1 » شتى الأنباء ، وغلب اليأس فيها على الرجاء ، وجدنا له ما يوجد لفقد الأب الذي ابتدأ بالإحسان والإجمال ، وأولى عوارف القبول والإقبال ، ولكنه ما أطفأ نار ذلك الوجد ، وجبر كسر ذلك الفقد ، إلّا ما منّ اللّه به علينا وعلى المسلمين من تقلّدكم ذلك الملك الذي بكم سمعت معالمه ، وقامت مراسمه ، وعليكم انعقد الإجماع ، وبولايتكم استبشرت الأصقاع ، وكيف لا تستبشر بولاية الملك الصالح الخاشع الأوّاب « 2 » ، صاحب الحرب والحراب ، عدّة الإسلام ، وعلم الأعلام ، من ثبتت فضائله أوضح من محيّا النهار ، وسارت مكارمه في الآفاق أشهر من المثل السيّار . وقد كان محلّ أبينا والدكم رضي اللّه عنه لما علم من فضائلكم الكريمة الآثار ، وما قمتم به من حقّه الذي وفيتموه توفية الصلحاء الأبرار ، ألقى إليكم مقاليد سلطانه ، وآثر إليكم أثر قبوله ورضوانه ، حتى انفصل عن الدنيا وقد ألبسكم من أثواب رضاه ما تنالون به قرة العين ، وعزّ الدارين ، والظفر بكلتا الحسنيين ، فتلك المملكة بحمد اللّه تعالى قد قام بها حامي ذمارها ، وابن خيارها ، ومطلع أنوارها ، الملك الرضي العدل الطاهر ، قوّام الدياجي وصوّام الهواجر « 3 » ، حسنة هذا الزمان ، ونخبة ذلك البيت المؤسس على التقوى والرضوان ، فالحمد للّه على أن جبر بكم صدع الإيمان ، وانتضى « 4 » منكم سيفا مسلولا على عبدة الصلبان ، وأقرّ بكم ملك آبائكم الملوك الأعاظم ، وتدارك بولايتكم أمر هذا الرزء المتفاقم « 5 » ، فإن فقدنا أعظم مفقود ، فقد ظفرنا بأكرم مقصود ، وما مات من أبقى منكم سلالة طاهرة تحيي سنن المعالي والمكارم ، وتعمل على شاكلة أسلافها الأكارم ، فتلك المملكة قد أصبحت بحمد اللّه ونور سعدكم في أرجائها طالع ، وسيف بأسكم في أعدائها قاطع ، وعزمكم الأمضى لأمرها جامع مانع ، قد أوت منك « 6 » إلى الملجأ الأحمى ، واستمسكت بإيالتكم « 7 » العظمى ، وعرفت أنكم ستبدون فيها من آثار دينكم المتين ، وفضلكم المبين ، ومعاليكم القاطعة البراهين ، ما يملؤها عدلا وإحسانا ، وتبلغ به آمالها مثنى ووحدانا ، فهنيئا لنا ولها أن صارت في ملككم ، وأن تشرفت بملككم ، وألقت مقاليدها

--> ( 1 ) في ب « وتوارت » . ( 2 ) الأوّاب : الراجع إلى اللّه . ( 3 ) الدياجي : أراد الليالي الشديدة الظلام . وقوّامها : الذي يقوم فيها لعبادة اللّه . والهواجر : جمع هاجرة وهي الوقت الذي يشتد فيه الحر عند الظهر . ( 4 ) انتضى : استل . ( 5 ) الرزء المتفاقم : المصيبة المتعاظمة . ( 6 ) في ب « قد أوت منكم » . ( 7 ) الإيالة : قطعة من أرض الدولة يحكمها وال من قبل السلطان .