أحمد بن محمد المقري التلمساني

40

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

إلهك يا هذا قريب لمن دعا * وكلّ الذي عند القريب قريب قال ابن خاتمة : وأنشدني الوزير أبو بكر مقدمه على ألمرية غازيا مع الجيش المنصور قال : أنشدني أبي : [ الطويل ] ولمّا رأيت الشّيب حلّ بمفرقي * نذيرا بترحال الشباب المفارق رجعت إلى نفسي فقلت لها انظري * إلى ما أرى ، هذا ابتداء الحقائق وبيتهم بيت كبير ، وأخذ عن غير واحد وعن والده ، وهو ذو الوزارتين أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى ، اللخمي ، الرندي ، الكاتب البليغ الأديب الشهير الذكر بالأندلس ، وأصل سلفه من إشبيلية من أعيانها ، ثم انتقلوا إلى رندة في دولة بني عباد ، ويحيى جدّ والده هو المعروف بالحكيم « 1 » لطبه ، وقدم ذو الوزارتين على حضرة غرناطة أيام السلطان أبي عبد اللّه محمد بن محمد بن نصر إثر قفوله من الحج في رحلته التي رافق فيها العلامة أبا عبد اللّه بن رشيد الفهري ، فألحقه السلطان بكتابه ، وأقام يكتب له في ديوان الإنشاء إلى أن توفي هذا السلطان وتقلّد الملك بعده ولي عهده أبو عبد اللّه المخلوع ، فقلّده الوزارة والكتابة ، وأشرك معه في الوزارة أبا سلطان عبد العزيز بن سلطان الداني ، فلمّا توفي أبو سلطان أفرده السلطان بالوزارة ، ولقبه ذا الوزارتين ، وصار صاحب أمره إلى أن توفي بحضرة غرناطة قتيلا نفعه اللّه تعالى غدوة يوم الفطر مستهلّ شوال سنة ثمان وسبعمائة ، وذلك لتاريخ خلع سلطانه وخلافة أخيه أمير المسلمين أبي الجيوش مكانه ، ومولده برندة سنة ستين وستمائة . وكان رحمه اللّه تعالى علما في الفضيلة والسراوة ومكارم الأخلاق ، كريم النفس ، واسع الإيثار ، متين الحرمة ، عالي الهمّة ، كاتبا بليغا أديبا شاعرا ، حسن الخطّ ، يكتب خطوطا على أنواع كلّها جميلة الانطباع ، خطيبا فصيح القلم ، زاكي الشيم ، مؤثرا لأهل العلم والأدب ، برّا بأهل الفضل والحسب ، نفقت بمدّته للفضائل أسواق ، وأشرقت بإمداده للأفاضل آفاق . ورحل للمشرق كما سبق ، فكانت إجازته البحر من ألمرية ، فقضى فريضة الحج ، وأخذ عمّن لقي هنالك من الشيوخ ، فمشيخته متوافرة ، وكان رفيقه - كما مرّ - الخطيب أبا عبد اللّه بن رشيد الفهري ، فتعاونا على هذا الغرض ، وقضيا منه كل نفل ومفترض ، واشتركا فيمن أخذا عنه من الأعلام ، في كل مقام ، وكانت له عناية بالرواية وولوع بالأدب ، وصبابة باقتناء الكتب ، جمع من أمهاتها العتيقة ، وأصولها الرائقة الأنيقة ، ما لم يجمعه في تلك الأعصر أحد سواه ، ولا ظفرت به يداه ، أخذ عنه الخطيب الصالح أبو إسحاق بن أبي العاصي ، وتدبّج معه رفيقه

--> ( 1 ) انظر ترجمته في الإحاطة ج 2 ص 279 .