أحمد بن محمد المقري التلمساني
27
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
عامر قال : إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، صلّى على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودّع للأحياء والأموات ، ثم طلع المنبر فقال : « إنّي بين أيديكم فرط « 1 » ، وأنا شهيد عليكم ، وإنّ موعدكم الحوض ، وإنّي لأنظر إليه من مقامي هذا ، وإنّي لست أخشى عليكم أن تشركوا ، ولكنّي أخشى عليكم الدّنيا أن تنافسوها » قال : فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال الشيخ قوله « صلى على قتلى أحد » لفظ الصلاة يطلق لغة على الدعاء ، وشرعا على الأفعال المخصوصة المعلومة ، وإذا دار اللفظ بين الشرعي واللغوي فحمله على الشرعي أولى حتى يدلّ الدليل على خلافه ، فقوله « صلّى على قتلى أحد » يحتمل الصلاة الشرعية ، ويكون ذلك منسوخا إذ قد تقرر أنه لا يصلّي على شهيد المعترك ولا على من قد صلّي عليه ، ولمن يعارضه أن يقول : إنّ قتلى أحد متفرّقون في أماكن ، فلا تتأتّى الصلاة الشرعية عليهم ، إذ الصلاة الشرعية إنما تتأتى لو كانوا مجتمعين ، والجواب أنهم وإن كانوا متفرّقين تجمعهم جهة واحدة ، وليس بعد ما بينهم بحيث لا تتأتى معه الصلاة عليهم ، هذا ، وإن احتمل حمله على الصلاة اللغوية . وقوله « كالمودع للأحياء والأموات » أما وداعه للأحياء فلا إشكال فيه ، وأما الأموات فمعنى وداعه لهم وداع الدعاء لهم ؛ لأنه إذا مات فقد حيل بينه وبين الدعاء لهم ، فلا جرم يودعهم بالدعاء لهم قبل أن يحال بينه وبين ذلك . وقوله صلى اللّه عليه وسلم « إنّي بين أيديكم » أي أتقدّم قبلكم ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم « بين أيّديكم فرط » أي متقدّم ، وبين إذا أضيفت إلى الأيدي تستعمل فيما قبل زمانك وفيما بعده ، والمعنى هنا في قوله « بين أيديكم » أي أتقدم قبلكم . وقوله صلى اللّه عليه وسلم « وأنا شهيد عليكم » فيه وجهان « 2 » ، أحدهما : أن يخلق اللّه في قلبه علما ضروريا يميز به بين البرّ والفاجر ، فيشهد بما خلق اللّه في قلبه من ذلك ، إذ لا تكون الشهادة إلّا على أمر مشاهد ، ومعلوم أنه لم يشاهد ما فعل بعده من أمته فيخلق اللّه له علما بذلك ، الوجه الثاني : أن يخبره اللّه تعالى بذلك كما في حديث الحوض « ليذادنّ عنه أقوام ، كما يذاد البعير الضّالّ » فأقول : ألا هلم ، ألا هلم ، فيقال : إنهم قد غيروا بعدك ، فأقول : فسحقا فسحقا فسحقا ، فيشهد « 3 » بما أخبره اللّه تعالى به ، وهو نظير ما روي في تفسير قوله تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ سورة البقرة ، الآية : 143 ] من أنّ قوم نوح يقولون : كيف تشهدون علينا وزمانكم متأخّر عن زماننا ؟ فيقولون : لأنّ اللّه تعالى قصّ علينا أخباركم في كتابه ، فقال إِنَّا
--> ( 1 ) الفرط - بفتح الفاء والراء - المتقدم بين القوم . ( 2 ) لقد بين النبي صلى اللّه عليه وسلم المراد بذلك في حديث آخر بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « حياتي خير لكم ومماتي خير لكم ، تعرض علي أعمالكم فما وجدت من خير حمدت اللّه وما وجدت من شر استغفرت لكم » . ( 3 ) في ب « فشهد » .