أحمد بن محمد المقري التلمساني
28
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [ سورة نوح ، الآية : 1 ] إلى آخره وقوله صلى اللّه عليه وسلم « وإنّ موعدكم الحوض ، وإنّي لأنظر إليه من مقامي هذا » نظره صلى اللّه عليه وسلم إلى الحوض فيه وجهان ، أحدهما : أن يكون نظره إليه بقلبه ، إذ كان قد أطلعه اللّه عليه ليلة الإسراء ، فصار مرتسما في قلبه ، فيكون نظره إليه بعين قلبه ، كما يرتسم في قلب أحدنا شكل بيته وما فيه من المتاع والثياب وغير ذلك ، الثاني : أن يكون اللّه تعالى قد كشف له عنه ، فيكون نظره إليه بعينه مشاهدة . وقوله صلى اللّه عليه وسلم « وإنّي لست أخشى عليكم أن تشركوا » إن قيل : كيف قال ذلك وقد ارتدّ عن الإسلام من ارتدّ من العرب بعده ؟ فالجواب أنه إنما خاطب بذلك من لم يشرك من أصحابه ومن بعدهم من التابعين وغيرهم من أمته ، ولم يراع رعاع العرب وجهّالهم « 1 » ، إذ لا اعتبار بهم لاحتقارهم . وقوله عليه الصلاة والسلام « ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها » « 2 » قد وقع ما خشي منه عليه الصلاة والسلام من المنافسة في الدنيا ، فكان كما ذكر صلى اللّه عليه وسلم ، انتهى . وحدّث الشيخ أبو البركات قال : كنت ببجاية بمجلس الإمام ناصر الدين المشذالي « 3 » أيام قراءتي عليه ، وقد أفاض طلبة مجلسه بين يديه : هل الملائكة أفضل أم الأنبياء ؟ فقلت : الدليل ؛ لأنّ الملائكة أفضل أن اللّه أمرهم بالسجود لآدم ، قال : فجعل الطلبة ينظر بعضهم إلى بعض ، حتى قال لي بعضهم : استند يا سيدنا ، كأنه يقول : استند إلى حائط ليزول هوس رأسك ، وكانت عبارتهم في ذلك ، وكل منهم يقول لي نحو ذلك إزراء « 4 » ، وقال لي الإمام ناصر الدين : أبصر فإنهم يقولون لك الحق ، وكانت لغته أن يقول : أبصر ، قال : فقلت : أتقولون إن أمر اللّه للملائكة بالسجود لآدم أمر ابتلاء واختبار ؟ قالوا : نعم ، قلت : أفيختبر العبد بتقبيل يد سيّده ليرى تواضعه ؟ قالوا : لا ، فإن ذلك من شأن العبد دون أن يؤمر ، بل السيد يختبر تواضعه بأن يؤمر بالسجود للعبد ، قلت : فكذا الملائكة ، لو أمرت بالسجود لأفضل منها لكان بمنزلة أمر العبد بالسجود لسيده ، قال : فكأنما ألقمتهم حجرا « 5 » . قال الشيخ أبو البركات : وهذه كحكاية أبي بكر بن الطيب مع بعض رؤساء المعتزلة ، وذلك أنه اجتمع معه في مجلس الخليفة ، فناظره في مسألة رؤية الباري ، فقال له رئيسهم : ما
--> ( 1 ) الرعاع : الغوغاء والسفلة . ( 2 ) تنافسوها : تتنافسوها . ( 3 ) في ب « المشدّالي » . ( 4 ) إزراء : انتقاصا له وازدراء به . ( 5 ) ألقمتهم حجرا : كناية عن إسكاتهم وقد جاء : لو كل كلب عوى ألقمته حجرا * لأصبح الصخر مثقالا بدينار