أحمد بن محمد المقري التلمساني

26

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

فلو قد وفوا كانوا أسارى حقوقهم * نراوح ما بين النسيئة والنقد « 1 » وقد تمثّل القاضي أبو بركات في مخاطبة له للسان الدين بقول القائل : [ السريع ] أيتها النفس إليه أذهبي * فحبّه المشهور من مذهبي أيأسني التوبة من حبّه * طلوعه شمسا من المغرب وحكى غير واحد منهم ابن داود البلوي أنّ القاضي أبا البركات لمّا عزم على الرحلة إلى المشرق كتب إليه ابن خاتمة بما صورته : [ الوافر ] أشمس الغرب ، حقا ما سمعنا * بأنك قد سئمت من الإقامه وأنك قد عزمت على طلوع * إلى شرق سموت به علامه لقد زلزلت منا كلّ قلب * بحقّ اللّه لا تقم القيامة « 2 » قال الحاكي : فحلف أبو البركات أن لا يرحل من إقليم فيه من يقول مثل هذا ، انتهى . يشير بقوله « لقد زلزلت - الخ » إلى طلوع الشمس من مغربها . قلت : ولما عزمت على هذه الرحلة كتب إليّ بعض أصحابنا المغاربة بالأبيات المذكورة متمثّلا ، ولم أرجع عن العزم ، واللّه غالب على أمره . قال الوزير لسان الدين رحمه اللّه تعالى : وما أحسن قول شيخنا أبي البركات معتذرا عن زرقة عينيه : [ الكامل ] حزنت عليك العين يا مغنى الهوى * فالدمع منها بعد بعدك ما رقا « 3 » ولذاك ما ظهرت بلون أزرق * أو ما ترى ثوب المآتم أزرقا قال رحمه اللّه تعالى : وهو من الغريب . وقال بعض الشيوخ : كنت أقرأ على الشيخ أبي البركات التفسير ، فنسيت ذات ليلة السّفر الذي كنت أقرأ فيه بمنزلي ، فاتّفق أن حضر الجامع الصحيح للبخاري ، فقال الشيخ بعد أن أردت القراءة عليه من أوله : افتح في أثناء الأوراق ولا تعين ، وما خرج لك من ترجمة لجهة اليمين فاقرأها ، ففعلت ، فإذا غزوة أحد ، فقرأت الحديث الأول من الباب ، وهو من عقبة بن

--> ( 1 ) النسيئة : الدين ضد النقد . ( 2 ) إشارة إلى قوله تعالى : إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها الآيات . ( 3 ) رقا : أصله رقا - بالهمز - فسهل الهمزة بقلبها ألفا . ورقأ الدمع : جف ولم يسل .