أحمد بن محمد المقري التلمساني

97

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وعدلها وعدولها ؟ أين دارا بن دارا بن بهمان ؟ أين إسكندر بن فلبس اليوناني الذي غلبه وملك بلاده في ذلك الزمان ؟ وإطاعة جميع ملوك الأقاليم ، وقدر اللّه به امتحان الخلق ذلك تقدير العزيز العليم ؟ أين كسرى وقيصر ؟ غلبهما من الموت الأسد القسور ، بعد أن أخرجهما من بلادهما أمير المؤمنين أبو حفص عمر ، لما ظهرت الملّة الحنيفية كما ظهرت الشمس وبدا القمر ، أين أولاد جفنة وملوك غسّان ؟ أين مماديح زياد وحسّان « 1 » ؟ أين هرم بن سنان ؟ أين الملاعب بالسّنان « 2 » ؟ أين أولاد مضر بن نزار بن معد بن عدنان ؟ أين بنو عبد المدان ؟ أين أرباب العواصم ؟ أين قيس بن عاصم ؟ أين العرب العرباء الأمّة الفاضلة ، والجماعة المناضلة ؟ أين أولو الباس والحفاظ ، وذوو الحميّة والإحفاظ ؟ حيث الوفاء والعهد ، والحباء والرّفد ، إلى علوّ الهمم ، والوفاء بالذّمم ، والعطاء الجزل ، والضيف والنزل ، وهبة الأقال « 3 » والبزل ، وإنها لا تدين عزّا ولاتقاد ، ولا ترام أنفة ولا تفاد ، أين قريش المغرورة « 4 » في الجاهلية بالحي اللقاح ، والشعب الوقاح « 5 » ؟ أين الماضون من ملوك بني أمية ذوو الألسن الذلق ، والأوجه الطلق ؟ والحميّة ؟ أين خلفاء بني العباس بن عبد المطلب ، الذين شرفهم بالأصالة وليس إليهم بالمنجلب ؟ ذوو الشرف الشامخ ، والفخر الباذخ ، والخلافة السنيّة الرضية ، والمملكة العامة المرضية . بلغتنا واللّه وفاتهم ، ولم يبق إلّا ذكرهم وصفاتهم ، قبض ملك الموت أرواحهم قبضا ، ولم يترك لهم حراكا ولا نبضا ، ومزّق الدود لحومهم قددا ، ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربّك أحدا ، إلّا ما كان من أجساد الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والتسليم ، فإنّ اللّه تعالى حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ، وقد تكلمت على هذا الحديث وأثبتّ أنه من الصحيح لا السقيم ، وخرجت طرقه في كتابي « العلم المشهور » بعون من العزيز الرحيم ، فما أبعد المرء عن رشده وما أقصاه ، كم وعظه الدهر وكم وصاه ، يخلط الحقيقة بالآل ، والعاطل بالحال « 6 » ، ولا توبة حتى يشيب الغراب ، ويألف الدم التراب ، فيا لهفي لبعد الدار ، وانقضاض الجدار ، وأنت هامة ليل أو نهار « 7 » ، وقاعد من عمرك على شفا جرف هار ، تقرأ العلم وتدّعيه ، ولا تفهمه ولا تعيه ، فهو عليك لا لك ، فأولى لك ثم أولى لك ، أما آن لليل

--> ( 1 ) زياد ، هو النابغة الذبياني . وحسان : هو حسان بن ثابت الأنصاري . ( 2 ) ملاعب الأسنة : لقب أبي براء عامر بن مالك بن جعفر . ( 3 ) في ب « الأمثال والبزل » . ( 4 ) في ب « المغرورون » . ( 5 ) في ب « والشعب والرقاح » . ( 6 ) العاطل : الذي لا يلبس حليا . والحالي : الذي يلبس الحلي . ( 7 ) يقال : « فلا هامة اليوم أو غد » كناية من كونه عرضة لموت سريع .