أحمد بن محمد المقري التلمساني

9

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

لا حسن للدنيا لديّ ولا أرى * للعيش بعد أبي وصنوي مأربا « 1 » لولا التعلّل بالرحيل وأننا * ننضي من الأعمار فيها مركبا فإذا ركضنا للشبيبة أدهما * حال المشيب به فأصبح أشهبا والملتقى كثب وفي ورد الرّدى * نهل الورى من شاء ذلك أو أبى لجريت طوع الحزن دون نهاية * وذهبت من خلع التصبّر مذهبا والصبر أولى ما استكان له الفتى * رغما ، وحقّ العبد أن يتأدّبا وإذا اعتمدت اللّه يوما مفزعا * لم تلف منه سوى إليه المهربا [ ذكر موقعة طريف التي استشهد فيها والد لسان الدين ] وواقعة طريف هذه استشهد فيها جماعة من الأكابر وغيرهم ، وكان سببها أنّ سلطان فاس أمير المسلمين أبا الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني أجاز البحر إلى جزيرة الأندلس برسم الجهاد ونصرة أهلها على عدوّهم ، حسبما جرت بذلك عادة سلفه وغيرهم من ملوك العدوة ، وشمّر عن ساعد الاجتهاد ، وجرّ من الجيوش الإسلامية نحو ستين ألفا ، وجاء إليه أهل الأندلس بقصد الإمداد ، وسلطانهم ابن الأحمر ومن معه من الأجناد ، فقضى اللّه الذي لا مردّ لما قدّره ، أن صارت تلك الجموع مكسّرة ، ورجع السلطان أبو الحسن مفلولا « 2 » ، وأضحى حسام الهزيمة عليه وعلى من معه مسلولا ، ونجا برأس طمرّة ولجام « 3 » ، ولا تسل كيف ، وقتل جمع من أهل الإسلام ، ولمّة « 4 » وافرة من الأعلام ، وأمضى فيهم حكمه السيف ، وأسر ابن السلطان وحريمه وخدمه ، ونهبت ذخائره ، واستولت على الجميع أيدي الكفر والحيف « 5 » ، واشرأبّ العدوّ الكافر لأخذ ما بقي من الجزيرة ذات الظلّ الوريف ، وثبتت قدمه إذ ذاك في بلد طريف ، وبالجملة فهذه الواقعة من الدواهي المعضلة الداء ، والأرزاء التي تضعضع لها ركن الدين بالمغرب ، وقرّت بذلك عيون الأعداء ، ولولا خشية الخروج عن المقصود لأوردت قصّتها الطويلة ، وسردت منها ما يحقّ لسامعه أن يكثر بكاءه وعويله « 6 » ، وقد ألمّ بها الولي قاضي القضاة ابن خلدون المغربي في كتاب « العبر ، وديوان المبتدأ والخبر ، في

--> ( 1 ) صنوي : أراد : أخي . ( 2 ) مفلولا : منهزما . ووقع في ج « مغلولا » . ( 3 ) عجز البيت لحسان بن ثابت . وصدره : « ترك الأحبة أن يقاتل دونهم » ( 4 ) اللّمّة : الجماعة . ( 5 ) الحيف - بفتح فسكون - الجور والظلم . ( 6 ) العويل - بفتح العين - رفع الصوت بالبكاء .