أحمد بن محمد المقري التلمساني
85
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وعثمان بن يحيى في جملته ، وهو المقدّم في بطانته . ثم غزوا منها مالقة ، فكانت ركابا للفتح ، وملكها السلطان ، واستولى بعدها على دار ملكه بغرناطة ، وعثمان بن يحيى متقدّم القدم في الدولة ، عريق في المخالصة ، وله على السلطان دالة واستبداد على هواه . فلمّا وصل ابن الخطيب بأهل السلطان وولده ، وأعاده إلى مكانه في الدولة من علوّ يده ، وقبول إشارته ، أدركته الغيرة من عثمان ، ونكر على السلطان الاستكفاء « 1 » به ، وأراه التخوّف من هؤلاء الأعياص على ملكه ، فحذره السلطان ، وأخذ في التدبير عليه ، حتى نكبه وأباه وإخوته في رمضان سنة أربع وستين وسبعمائة ، وأودعهم المطبق « 2 » ، ثم غرّبهم بعد ذلك ؛ وخلا لابن الخطيب الجوّ ، وغلب على هوى السلطان ، ودفع إليه تدبير الدولة ، وخلط بنيه بندمائه وأهل خلوته . وانفرد ابن الخطيب بالحلّ والعقد ، وانصرفت إليه الوجوه ، وعلقت به الآمال ، وغشي بابه الخاصة والكافّة ، وغصّت به بطانة السلطان وحاشيته ، فتفنّنوا في السعايات فيه ، وقد همّ السلطان عن قبولها . ونمي الخبر بذلك إلى ابن الخطيب . فشمّر عن ساعده في التفويض . واستخدم للسلطان عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن ملك العدوة يومئذ في القبض على ابن عمّه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي [ ابن السلطان أبي سعيد ابن السلطان يعقوب بن عبد الحق ] ، كانوا قد نصبوه شيخا على الغزاة بالأندلس ، لما أجاز من العدوة ، بعد ما جاس خلالها لطلب الملك ، وأضرم بها نار الفتنة في كلّ ناحية ، وأحسن دفاعه الوزير عمر بن عبد اللّه ، القائم حينئذ بدولة بني مرين ، فاضطرّ إلى الإجازة إلى الأندلس ، فأجاز هو ووزيره مسعود بن ماساي ، ونزلوا على السلطان المخلوع أعوام سبعة وستين وسبعمائة ، فأكرم نزلهم . وتوفي علي بن بدر الدين شيخ الغزاة ، فقدم عبد الرحمن مكانه . وكان السلطان عبد العزيز قد استبدّ بملكه بعد مقتل الوزير عمر بن عبد اللّه ، فغصّ بما فعله السلطان المخلوع من ذلك ، وتوقّع انتقاض أمره منهم ، ووقف على مخاطبات من عبد الرحمن يسرّ بها في بني مرين ، فجزع لذلك . وداخله ابن الخطيب في اعتقال ابن أبي يفلوسن وابن ماساي وإراحة نفسه من شغبهم ، على أن يكون له المكان من دولته متى نزع إليه ، فأجابه إلى ذلك ، وكتب له العهد بخطّه ، على يد سفيره إلى الأندلس ، وكاتبه أبي يحيى بن أبي مدين . وأغرى ابن الخطيب سلطانه بالقبض على ابن يفلوسن وابن ماساي ، فقبض عليهما واعتقلهما . وفي خلال ذلك استحكمت نفرة ابن الخطيب لما بلغه عن البطانة من القدح فيه والسعاية ، وربما
--> ( 1 ) نكر - بفتح النون وكسر الكاف - أنكر ، وفي التنزيل : فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ والاستكفاء : طلب الكفاية . ( 2 ) المطبق : السجن .