أحمد بن محمد المقري التلمساني

86

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

تخيّل أنّ السلطان مال إلى قبولها ، وأنهم قد أحفظوه عليه « 1 » ، فأجمع التحوّل عن الأندلس إلى المغرب . واستأذن السلطان في تفقّد الثغور ، وسار إليها في لمّة « 2 » من فرسانه ، وكان معه ابنه علي الذي كان خالصة للسلطان ، وذهب لطيّته « 3 » ، فلمّا حاذى جبل الفتح فرضة المجاز إلى العدوة مال إليه ، وسرح إذنه بين يديه ، فخرج قائد الجبل لتلقّيه . وقد كان السلطان عبد العزيز أوعز إليه بذلك ، وجهّز له الأسطول من حينه ، فأجاز إلى سبتة ، وتلقّاه ولاتها بأنواع التكرمة وامتثال المراسم . ثم سار لقصد السلطان ، فقدم عليه سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمقامه من تلمسان ، فاهتزّت له الدولة . وأركب السلطان خاصّته لتلقّيه ، وأحلّه من مجلسه بمحلّ الأمن والغبطة ، ومن دولته بمكان التنويه والعزّة . وأخرج لوقته كاتبه أبا يحيى بن أبي مدين سفيرا إلى صاحب الأندلس في طلب أهله وولده ، فجاء بهم على أكمل حالات الأمن والتكرمة . ثم أكثر المنافسون له في شأنه ، وأغروا سلطانه بتتبّع عثراته ، وإبداء ما كان كامنا في نفسه من سقطاته ، وإحصاء معايبه . وشاع على ألسنة أعدائه كلمات منسوبة إلى الزندقة أحصوها عليه ونسبوها . ورفعت إلى قاضي الحضرة أبي الحسن بن الحسن ، فاسترعاها ، وسجل عليه بالزندقة . وراجع صاحب الأندلس رأيه فيه ، وبعث القاضي ابن الحسن إلى السلطان عبد العزيز في الانتقام منه بتلك السجلات ، وإمضاء حكم اللّه فيه ، فصمّ عن ذلك ، وأنف لذمّته أن تخفر ، ولجواره أن يردّ ، وقال لهم : هلّا انتقمتم منه وهو عندكم وأنتم عالمون بما كان عليه ؟ وأمّا أنا فلا يخلص إليه بذلك أحد ما كان في جواري . ثم وفّر الجراية والإقطاع له ولبنيه ولمن جاء من أهل الأندلس في جملته . فلمّا هلك السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين وسبعمائة ورجع بنو مرين إلى المغرب وتركوا تلمسان ، سار هو في ركاب الوزير أبي بكر بن غازي القائم بالدولة ، فنزل بفاس ، واستكثر من شراء الضياع ، وتأنّق في بناء المساكن واغتراس الجنان . وحفظ عليه القائم بالدولة الرسوم التي رسمها له السلطان المتوفّى ، واتّصلت حاله على ذلك ، إلى أن كان ما نذكره ؛ انتهى . وقال ابن خلدون في تاريخه ما صورته « 4 » : كان محمد بن الأحمر المخلوع قد رجع من رندة إلى ملكه بغرناطة في جمادى من سنة ثلاث وستين ، وقتل له الطاغية عدوّه الرئيس المنتزي على ملكهم حين هرب من غرناطة إليه وفاء بعهد المخلوع ، واستوى على

--> ( 1 ) أحفظوه عليه : أثاروا حفيظته ، والحفيظة : الغضب . ( 2 ) لمّة - بضم اللام وتشديد الميم - الفرقة والجماعة . ( 3 ) الطيّة : البغية ، والجهة . ( 4 ) انظر تاريخ ابن خلدون ط . دار الفكر ببيروت ج 7 ص 443 .