أحمد بن محمد المقري التلمساني
84
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
الشريف أبا القاسم إلى وادي آش ، وسار في ركاب سلطانه ، وقدموا على السلطان أبي سالم ، فاهتزّ لقدوم ابن الأحمر ، وركب في الموكب لتلقّيه ، وأجلسه إزاء كرسيّه . وأنشد ابن الخطيب قصيدته يستصرخ السلطان لنصرته « 1 » ، فوعده ، وكان يوما مشهودا ، ثم أكرم مثواه ، وأرغد نزله ، ووفّر أرزاق القادمين مع ركابه ، وأرغد عيش ابن الخطيب في الجراية والأقطاع . ثم استيأس واستأذن السلطان في التجوال بجهات مراكش والوقوف على أعمال الملك بها ، فأذن له ، وكتب إلى العمّال بإتحافه ، فتباروا في ذلك ، وحصل منه على حظّ ، وعندما مرّ بسلا إثر قفوله « 2 » من سفره دخل مقبرة الملوك بشالة ، ووقف على قبر السلطان أبي الحسن ، وأنشد قصيدة على روي الراء يرثيه ويستجير به في استرجاع ضياعه بغرناطة ، مطلعها : [ الكامل ] إن بان منزله وشطّت داره * قامت مقام عيانه أخباره « 3 » قسّم زمانك عبرة أو عبرة * هذي ثراه وهذه آثاره « 4 » فكتب السلطان أبو سالم في ذلك إلى أهل الأندلس بالشفاعة ، فشفّعوه ، واستقرّ هو بسلا منتبذا عن سلطانه طول مقامه بالعدوة . ثم عاد السلطان محمد المخلوع إلى ملكه بالأندلس سنة ثلاث وستين وسبعمائة . وبعث عن مخلّفه بفاس من الأهل والولد ، والقائم بالدولة يومئذ الوزير عمر بن عبد اللّه بن علي ، فاستقدم ابن الخطيب من سلا ، وبعثهم لنظره ، فسرّ السلطان لقدومه ، وردّه إلى منزلته كما كان مع رضوان كافله . وكان عثمان بن يحيى بن عمر شيخ الغزاة وابن أشياخهم ، قد لحق بالطاغية ملك النصارى في ركاب أبيه عندما أحسّ بالشّرّ من الرئيس صاحب غرناطة . وأجاز يحيى من هنالك إلى العدوة ، وأقام عثمان بدار الحرب ، فصحب السلطان في مثوى اغترابه هنالك ، وتقلّب في مذاهب خدمته . وانحرفوا عن الطاغية عندما يئسوا من الفتح على يده ، فتحوّلوا عنه إلى ثغور بلادهم ، وخاطبوا الوزير عمر بن عبد اللّه في أن يمكنهم من بعض الثغور الغربية التي لطاعتهم بالأندلس يرتقبون منها الفتح . وخاطبني السلطان المخلوع في ذلك ، وكانت بيني وبين عمر بن عبد اللّه ذمّة مرعيّة ، وخاصة متأكّدة ، فوفيت للسلطان بذلك من عمر بن عبد اللّه ، وحملته على أن يردّ عليه مدينة رندة إذ هي من تراث سلفه ، فقبل إشارتي في ذلك ، وتسوّغها السلطان المخلوع ، ونزل بها ،
--> ( 1 ) في ب « لنصره » . ( 2 ) قفوله : رجوعه . ( 3 ) بان منزله : بعد ، وشطت داره : بعدت . والعيان - بكسر العين - المعاينة والمشاهدة . ( 4 ) العبرة - بكسر العين وسكون الباء - الاعتبار والاتّعاظ ، والعبرة - بفتح العين وسكون الباء - الدمعة .