أحمد بن محمد المقري التلمساني
64
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
السيوف والأقلام ، جامع أشتات الفضائل ، والمربي بحسن سياسته وعظيم رياسته على الأواخر والأوائل ، حائز رتبة رياسة السيف والقلم ، والقائم بتدبير الملك على أرسخ قدم ، صاحب القلم الأعلى ، الوارد من البراعة المنهل الأحلى ، صاحب الأحاديث التي لا تملّ على كثرة ما تتلى ، والمحاسن التي صورها على منصّة التنويه تجلى ؛ انتهى . [ من ترجمة لسان الدين بقلمه في كتابه « الإحاطة ، في أخبار غرناطة » ] وقال لسان الدين في « الإحاطة » بعد ذكر سلفه رحمهم اللّه تعالى ، ما ملخّصه « 1 » : وخلفني - يعني أباه عبد اللّه - عالي الدرجة ، شهير الخطّة ، مشمولا بالقبول ، مكنوفا بالعناية ، فقلّدني السلطان سرّه ، ولمّا يستكمل الشباب ويجتمع السنّ ، معزّزة بالقيادة ورسوم الوزارة ، واستعملني في السّفارة إلى الملوك ، واستنابني بدار ملكه ، ورمى إلى يدي بخاتمه وسيفه ، وائتمنني على صوان حضرته ، وبيت ماله ، وسجوف حرمه ، ومعقل امتناعه ، ولما هلك السلطان ضاعف ولده حظوتي ، وأعلى مجلسي ، وقصر المشورة على نصحي ، إلى أن كانت عليه الكائنة ، فاقتدى فيّ أخوه المتغلّب على الأمر به ، فسجل الاختصاص ، وعقد القلادة ، ثم حمله أهل السحناء من أهل أعوان ثورته على القبض عليّ ، فكان ذلك ، وتقبّض عليّ ، ونكث ما أبرم من أماني ، واعتقلت بحال ترفيه . وبعد أن كبست « 2 » المنازل والدّور ، واستكثر من الحرس ، وختم على الأغلاق « 3 » ، وأبرد إلى ما ناء « 4 » ، واستؤصلت نعمة لم تكن بالأندلس من ذوات النظائر ولا ربّات الأمثال ، في تبحّر الغلّة ، وفراهة الحيوان ، وغبطة العقار ، ونظافة الآلات ، ورفعة الثياب ، واستجادة العدّة ، ووفور الكتب إلى الآنية والفرش والماعون والزجاج والطّيب والذخيرة والمضارب والأبنية ، واكتسحت السائمة وثيران الحرث وظهر الحمولة « 5 » وقوام الفلاحة والخيل ، فأخذ ذلك البيع ، وتناهبتها الأسواق ، وصاحبها البخس ، ورزأتها الخونة ، وشمل الخاصّة والأقارب الطلب ، واستخلصت القرى ، وأعملت الحيل ، وطوّقت الذنوب ، وأمدّ اللّه تعالى بالعون ، وأنزل السكينة ، وانصرف اللسان إلى ذكر اللّه تعالى ، وتعلّقت الآمال به وطبقت نكبة مصحفية « 6 » مطلوبها الذات وسببها المال حسبما قلت عند إقالة العثرة والخلاص من الهفوة : [ الطويل ]
--> ( 1 ) انظر الإحاطة ص 400 . ( 2 ) في ب « كسبت المنازل » . ( 3 ) الأغلاق : جمع غلق ، وهو ما ترتج به باب الدار ونحوها ، وفي ب « وختم على الأعلاق » . ( 4 ) أبرد : أرسل البريد . وناء : أثقل الكاهل . ( 5 ) ظهر الحمولة : الدواب التي يحمل عليها . ( 6 ) مصحفية : منسوبة إلى الحاجب جعفر بن محمد المصحفي ، وكان المستنصر قد استوزره ثم نكبه المنصور بن أبي عامر ، وقد مر خبره في القسم الأول .