أحمد بن محمد المقري التلمساني

65

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

تخلّصت منها نكبة مصحفيّة * لفقداني المنصور من آل عامر ووصلت الشفاعة فيّ مكتتبة بخطّ ملك المغرب ، وجعل خلاصي شرطا في العقدة ومسالمة الدولة ، فانتقلت صحبة سلطاني المكفور الحقّ إلى المغرب ، وبالغ ملكه في برّي منزلا رحبا ، وعيشا خفضا ، وإقطاعا جما ، وجراية ما وراءها مرمّى ، وجعلني بمجلسه صدرا ، ثم أسعف قصدي في تهيؤ الخلوة بمدينة سلا ، منوّه الصكوك ، مهنّأ القرار ، متفقّدا باللّها والخلع ، مخوّل العقار ، موفور الحاشية ، مخلّى بيني وبين إصلاح معادي ، إلى أن ردّ اللّه تعالى على السلطان أمير المسلمين أبي عبد اللّه ابن أمير المسلمين أبي الحجاج ملكه ، وصيّر إليه حقّه ، فطالبني بوعد ضربته ، وعمل في القدوم عليه بولده أحكمته ، ولم يوسعني عذرا ، ولا فسح في التّرك مجالا ، فقدمت عليه بولده ، وقد ساءه بإمساكه رهينة ضدّه ، ونغّص مسرّة الفتح بعده ، على كلّ حال من التقشّف والزهد فيما بيده ، وعزف عن الطمع في ملكه وزهد في رفده ، حسبما قلت من بعض المقطوعات : [ الكامل ] قالوا لخدمته دعاك محمد * فأنفتها وزهدت في التنويه فأجبتهم أنا والمهيمن كاره * في خدمة المولى محبّ فيه عاهدت اللّه تعالى على ذلك ، وشرحت صدري للوفاء به ، وجنحت إلى الانفصال لبيت اللّه الحرام نشيدة أملي ، ومرمى نيّتي وعملي ، فعلق بي ، وخرج لي عن الضرورة ، وأراني أنّ مؤازرته أبرّ القرب ، وراكنني إلى عهد بخطّه ، فسح لعامين أمد الثّواء « 1 » ، واقتدى بشعيب صلوات اللّه عليه ، في طلب الزيادة على تلك النسبة « 2 » ، وأشهد من حضر من العلية . ثم رمى إليّ بعد ذلك بمقاليد رأيه ، وحكم عقلي في اختيارات عقله ، وغطّى من جفائي بحلمه ، وحثا في وجوه شهواته تراب زجري ، ووقف القبول على وعظي ، وصرف هواي في التحول ثانيا وقصدي ، واعترف بقبول نصحي ، فاستعنت اللّه تعالى ، وعاملت وجهه فيه ، من غير تلبس بجراية ، ولا تشبّت بولاية ، مقتصرا على الكفاية ، حذرا من النقد ، خامل المركب ، معتمدا على المنسأة « 3 » ، مستمتعا « 4 » بخلق النعل ، راضيا بغير النبيه من الثوب ، مشفقا من موافقة الغرور ،

--> ( 1 ) الثواء - بفتح الثاء المثلثة - الإقامة . ( 2 ) يشير إلى قصة شعيب وموسى عليهما السلام وقد زوج شعيب موسى ابنته على أن يكون أجيره سبع سنين وقال له : فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ . ( 3 ) المنشأة : العصا . ( 4 ) في ب « مستمشيا بخلق النعل » .