أحمد بن محمد المقري التلمساني

6

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

نغمته ، والخشوع إلى صدقه ، فتعرّس رحالها لصق جداره ، وتريح ظهرها موهنا ، إلى أن يأتي على ورده . وتوفي وقد أصيب بأهله وحرمه عندما تغلّب العدوّ على بلده عنوة في خبر طويل . وقفت على مكتوبات من المتوكل على اللّه ، محمد بن يوسف بن هود أمير المسلمين بالأندلس ، في غرض إعانته والشفاعة إلى الملكة زوج سلطان قشتالة بما يدلّ على نباهته قديما ويفيد إثارة عبرة ، واستقالة عثرة . [ عبد اللّه بن سعيد ] وتخلّف ولده عبد اللّه جاريا مجراه في التجلّد والتمعش من حرّ النّشب « 1 » ، والنزيّي بالانقباض ، والتحلّي بالنزاهة ، إلى أن توفي [ سعيد بن عبد اللّه الجد الأقرب للسان الدين ووالده ] وتخلّف ولده سعيدا جدّنا الأقرب ، وكان صدرا خيّرا مستوليا على خلال حميدة ، من خطّ وتلاوة وفقه وحساب وأدب ، نافس جيرته بني الطّنجالي الهاشميين ، وتحوّل إلى غرناطة عندما شعر بعملهم على الثورة ، واستطلاعهم إلى النّزوة التي خضدت الشوكة ، واستأصلت منهم الشّأفة ، وصاهر بها الأعيان من بني أضحى بن عبد اللطيف الهمداني ، أشراف جند حمص ، الداخلين إلى الجزيرة في طليعة « 2 » بلج بن بشر القشيري ، ولحقه من جرّاء منافسيه لما جاهروا السلطان بالخلعان اعتقال أعتبه السلطان بعده ، وأحظاه على تفئته ، وولّاه الأعمال النّبيهة والخطط الرفيعة . حدّثني من أثق به « 3 » قال : عزم السلطان أن يقعد جدّك أستاذا لولده ، فأنفت من ذلك أمّ الولد إشفاقا عليه من فظاظة كانت فيه . ثم صاهر القواد من بني الجعدالة على أمّ أبي ، ومتّت إلى زوج السلطان ببنوّة الخؤولة ، فنبه القدر ، وانفسحت الحظوة ، وانثال على البيت الرؤساء والقرابة ، وكان - على قوة شكيمته وصلابة مكسره - مؤثرا للخمول ، محبّا في الخير . حدّثني أبي عن أمّه قالت : قلّما تهنّأنا نحن وأبوك طعاما حافلا لإيثاره به من كان يكمن بمسجد جواره من أهل الحاجة وأحلاف الضرورة ، يهجم علينا منهم بكل وارد ، ويجعل يده مع يده ، ويشركه في أكيلته ، ملتذّا بموقعها من فؤاده . وتوفي في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وستمائة ، صهرته الشمس مستسقيا في بعض المحول ، وقد استغرق في ضراعته ، فدلّت الحتف على نفسه . وتخلّف والدي نابتا في الترف نبت العلّيق « 4 » ، يكنفه رعي أمّ تجر ذيل نعمة وتحنو منه على واحد تحذر عليه النسيم إذا سرى ، ففاته لترفه حظّ كبير من الاجتهاد ، وعلى ذلك فقرأ على الخطيب أبي الحسن البلوطي والمقرئ أبي عبد اللّه بن سمعون « 5 » وأبي جعفر بن الزبير

--> ( 1 ) النشب : المال . ( 2 ) في أ « في طلعة » وصوبناه من ب . ( 3 ) في أ « أثقه » . ( 4 ) العليق : نبت شائك ثمره كثمر التوت . ( 5 ) في ب « مسمغور » .