أحمد بن محمد المقري التلمساني
58
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أوتي بسطة في العلم ، ورسا طودا في ساحة الحلم ، وتساوى ميزانه في الحرب والسّلم ، وكان كمولانا في المماثلة بين أجناس الناس ، فقصاراه أن يتقلّد الأحكام للأجر ، لا للتعنيف والزّجر ، ويتولّاها للثواب ، لا للغلظة في ردّ الجواب ، ويأخذها لحسن الجزاء ، لا لقبيح الاستهزاء ، ويلتزمها لجزيل الذّخر ، لا للإزراء والسّخر ، فإذا كان كذلك ، وسلك المتولّي هذه المسالك ، وكان مثل قاضي الجماعة ولا مثل له ، ونفع الحقّ به علله ونقع غلله ، فيومئذ تهنّى به خطة القضاء ، وتعرف ما للّه تعالى عليها من اليد البيضاء . [ رحلة صفوان إلى مراكش ] ورحل إلى مراكش في جهاز بنت بلغت التزويج ، وقصد دار الخلافة « 1 » مادحا ، فما تيسّر له شيء من أمله ، ففكّر في خيبة قصده ، وقال : لو كنت أمّلت اللّه سبحانه ومدحت نبيّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، وآل بيته الطاهرين لبلغت أملي ، بمحمود عملي . ثم استغفر اللّه تعالى من اعتماده في توجّهه الأوّل ، وعلم أن ليس على غير الثاني معوّل ، فلم يك إلّا أن صوّب « 2 » نحو هذا المقصد سهمه « 3 » ، وأمضى فيه عزمه « 4 » ، وإذا به قد وجّه عنه « 5 » فأدخل على الخليفة فسأله عن مقصده ، فأخبره مفصحا به ، فأنفذه وزاده عليه وأخبره أنّ ذلك لرؤيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، في النوم يأمر بقضاء حاجته ، فانفصل موفّى الأغراض ، واستمرّ في مدح أهل البيت عليهم السلام ، حتى اشتهر بذلك . وتوفي سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ، وسنّه دون الأربعين ، وصلّى عليه أبوه ، فإنه كان بمكان من الفضل والدّين ، رحم اللّه تعالى الجميع ! انتهى كلام ابن الخطيب في حقّ المذكور ملخصا . [ ترجمة صفوان بن إدريس ، عن ابن سعيد وابن الأبار ] ولا بأس أن نزيد عليه ما حضر ، فنقول : قال ابن سعيد وغيره : ولد صفوان سنة ستين وخمسمائة ، أو في التي بعدها ، قال : وديوان شعره مشهور بالمغرب ؛ انتهى . ومن نظمه قوله : [ مجزوء الرجز ] أومض ببرق الأضلع * واسكب غمام الأدمع واحزن طويلا واجزع * فهو مكان الجزع وانثر دماء المقلتين * تألّما على الحسين وابك بدمع دون عين * إن قلّ فيض الأدمع « 6 »
--> ( 1 ) في ب « وقصد دار الإمارة » . ( 2 ) في ب « إلا أن صرف » . ( 3 ) في ب « همته » . ( 4 ) في ب « وأمضى فيه عزمته » . ( 5 ) في ب « وجه إليه » . ( 6 ) أراد بدمع دون عين : بدم .